ثورة الروبوت.. هل تتحكم في اقتصاديات العالم مستقبلا؟


التكنولوجيا تلعب دورًا هامًّا وحيويًّا في حياة الشعوب اليومية، حيث ساهمت في رفع معدلات الإنتاج، وفي تغيير أنماط معيشتهم بدرجة متزايدة. وفي الآونة الأخيرة، شغل الذكاء الاصطناعي والدور الذي تلعبه الروبوتات اهتمام الكثيرين، خاصة حول تأثيراتها على العمالة البشرية، والدور الذي قد تلعبه مستقبلًا. و التكنولوجيا ستساهم في تغيير المجتمعات البشرية وسلوكها على المدى القصير والبعيد. كما ستساهم في القضاء على العديد من الأشكال التقليدية للوظائف، ولكنها حتمًا سيكون لها دور في تحسين حياة الأفراد، ورفع معدلات الخدمات وجودة السلع المقدمة لهم. فضلًا عن أنها قد تساهم في التقليل من مخاطر الخطأ البشري، ومع هذا ينبغي الحذر من سلبياتها وضرورة العمل من الآن لمواجهتها. 

 

الروبورت وهيكلة الاقتصاد العالمي

وحول المستجدات التكنولوجية، والدور الذي قد تلعبه مستقبلًا على مستوى الاقتصاد الدولي، نشرت دورية "المصلحة القومية The National Interest " في عددها عن شهري مايو / يونيو ٢٠١٨ مقالة بعنوان: "ثورة الروبوت" لـ"دانييل م. جارشتيان"، الأستاذ المساعد بالجامعة الأمريكية، وقد شغل خلال عامي ٢٠١١ و٢٠١٤ منصب وكيل قسم العلوم والتكنولوجيا بوزارة الأمن الداخلي الأمريكية، ويعمل حاليًّا بمؤسسة راند.

التقدم التقني والعمالة:

ينطلق الكاتب في مقاله من أن الثورة التكنولوجية ستُحدث طفرات في مستويات الإنتاج وفترات العمل، حيث تطور الذكاء الاصطناعي، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وأجهزة الروبوت، وكذلك علوم البيانات الضخمة والإنترنت، وهو الأمر الذي يثير تساؤلات حول آثارها على مجالات العمل الإنساني، ومدى قدرتها على الإطاحة بالعنصر البشري. 

ووفقًا لجارشتيان فمن الصعب استمرار ارتفاع النسبة في القطاع الخدمي، لأن التكنولوجيا المتطورة ساهمت في انكماش حجم العمالة المطلوبة في القطاعات المختلفة، ويمكن لمس ذلك الانكماش والتغير بالنظر للخدمات المقدمة من شركتي ”Uber” و”Amazon”. وينقل عن تقرير لمنتدى الاقتصاد العالمي أن 65% من الأطفال الملتحقين بالتعليم الابتدائي الآن سيكون بانتظارهم وظائف جديدة لم تخلق بعد، وتختلف عن الوظائف التقليدية الحالية.

ويشير جارشتيان إلى أن هناك عوامل عدة أدت لانخفاض العمالة في كافة القطاعات، منها أن تطور الآلات وأجهزة الروبوت ساهم في زيادة الكفاءة، ففي مجال الصناعات التحويلية الذي يتطلب مهارات دقيقة وعالية، أتاحت عملية الجمع بين التكنولوجيا والتقنيات المتخصصة ازدهار ذلك المجال وتقدمه، وكذلك انخفاض أجور العمالة مع ارتفاع كفاءة الإنتاج. والآن، على الرغم من أنه من غير المحتمل أن يحدث انتعاش في المجال الصناعي بالنسبة للعمالة، إلا أنه لن ينخفض بنفس الدرجة التي وصلت إليها العمالة الزراعية.

تأثيرات عدة:

وعن تأثير التطور التقني على شبكة النقل الخدمي، يتحدث جارشتيان عن أن التقدم التكنولوجي سواء في الطباعة ثلاثية الأبعاد أو علم البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي سيساهم في تقليص شبكة النقل العالمية. فمع هذا التطور ستكون عملية الإنتاج محليًّا أكثر كفاءة، وبالتالي فهي ليست في حاجة لأن تتم في الخارج، كما ستكون تكلفتها أقل، مما يعني أرباحًا أعلى للشركات ومدخرات أقل للمستهلكين. 

وعلى جانب آخر، فإن التقدم في المركبات ذاتية القيادة سيساهم في تقليل معدل الحوادث، وفي نقل العجائز والمسنين، حيث يمكنها أن تنقذ نحو 1.2 مليون شخص يموتون سنويًّا من بينهم أربعون ألف شخص بالولايات المتحدة بسبب حوادث السيارات. كما ستساهم في حل مشكلة البضائع التي تتطلب شاحنات كبيرة وسائقين للراحة، مما سيقلل نسبة الحوادث الناتجة عن الشاحنات وسيخفض التكاليف. فضلًا عن أن تكنولوجيا المركبات ستؤثر بالسلب على الصناعات الخدمية القائمة مثل المطاعم الخدمية على الطريق، وكذلك ستؤثر على شكل الملكية؛ فربما مستقبلًا قد ينتهي شكل الملكية بشكلها المعهود، ويصبح إيجارًا بالرحلة أو ملكية تشاركية أو جزئية مما سينعكس بدوره سلبًا على الوكالات وميكانيكي السيارات.

وتناولت المقالة تأثير التطور التكنولوجي على شركات البيع بالتجزئة، حيث أشارت إلى أن تطور الطباعة ثلاثية الأبعاد، وإقامة مصانع لها سيؤثر على تلك الشركات، فبدلًا من أن تذهب سيدة إلى متجر ما لشراء إناء من البلاستيك بلون معين، فيمكنها من خلال الإنترنت أن تختار الشكل الذي ترغب في اقتنائه؛ ومن ثم سيتم طباعته من خلال مصانع الطباعة ثلاثية الأبعاد وتعبئته وشحنه في طائرة بدون طيار، وكل ذلك يتطلب ساعات قليلة مقارنة بالشهور التي كانت تحتاجها قديمًا، مما سيقلل الوقت ويخفض تكلفة الإنتاج والشحن، ويقلل العمالة اللازمة لإجراء العمليات السابقة، ولكنه سيخلق وظائف أخرى تتطلب مهارات مختلفة تتلاءم مع متطلبات المصانع الجديدة، وعلى النقيض ستساهم تلك المصانع التي ستنشأ محليًّا في غلق عدد كبير من المتاجر التي تعتمد على التخزين طويل الأمد. 

وتطرق جارشتيان إلى تأثير التطور التكنولوجي على اقتصاديات الدول المتقدمة والنامية، ودوره في إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي. إذ يشير إلى أنه منذ عام 1979 فقدت واشنطن ما يقرب من سبعة ملايين موقع تصنيع بسبب التقدم التكنولوجي؛ ولكن مع ذلك استمرت وتيرة الإنتاج في التصاعد، فمثلًا شركة "جنرال موتورز" فقدت ثلث العاملين فيها منذ عام 1970 والذي يقدر بنحو 600 ألف عامل، ومع ذلك زادت معدلات الإنتاج. كما فَقَدَ قطاع التعدين نسبة كبيرة من العاملين به بسبب زيادة الاعتماد على طرق التعدين التكنولوجية التي تتطلب قدرًا أقل من العمالة. ووفقًا لدراسة صادرة عن جامعة أكسفورد، فنحو 47% من أصل 702 مهنة حالية معرضة للانتهاء داخل الولايات المتحدة بفضل التقدم التكنولوجي.

محددات التنبؤ:

يشير جارشتيان إلى عوامل ومحددات يمكن الاستدلال بها للتنبؤ باستمرارية الوظائف أو انتهائها مستقبلًا، وهي كالتالي:

1- طبيعة العمل من حيث كونه روتينيًّا أو يتطلب الإبداع وإعمال العقل.

2- نسبة المعوقات التي تحول دون تطوير البرمجيات الخاصة بتلك الوظيفة، وتحويلها لوظيفة أتوماتكية، وسيختلف ذلك باختلاف الزمن ومدى تطوره.

3- قدرة سوق العمل على توفير عمالة بأجور مناسبة، وهل ستكون التكنولوجيا أقل أجرًا أم ستفوق العمالة البشرية.

4- الفوائد التي سيجنيها سوق العمل من جعل الوظائف أتوماتيكية، مثل: زيادة الإنتاج، وحل المشكلات بدرجة أسرع، وخفض التكلفة، ورفع الكفاءة.

5- قدرة التكنولوجيا على أن تحل محل العقل البشري.

ويتحدث البعض عن أنه بالرغم من أن التكنولوجيا قد تساهم في القضاء على عدد كبير من الوظائف الروتينية، فإنها ستساهم في خلق وظائف ذات طبيعة أخرى. فمثلًا في فرنسا ساهم الإنترنت في القضاء على نحو 500 ألف وظيفة خلال خمسة عشر عامًا، ولكنه في المقابل خلق نحو 1.2 مليون وظيفة جديدة، وأجج الحاجة لوجود المبرمجين والإحصائيين. وقد قسمت مجلة "الإيكونومست" العمال لفئتين، وهما: فئة ذات مهارات عالية وأجور عالية وتحتاج لإعمال العقل والابتكار، مثل: المهندسين المعماريين وكبار المديرين. وفئة أخرى ذات مهارات منخفضة وأجور متدنية مثل: عمال النظافة والمطاعم.

** وأشار الكاتب إلى انقسام المحللين حول مستقبل الوظائف إلى تيارين، يرى أولهما أنه مستقبلًا سيفقد البشر وظائفهم لتحل أجهزة الروبوت محلهم كليًّا، أما ثانيهما فيشير إلى أن الأمر سيتم تدريجيًّا وأن المجتمعات ستتطور وتتلاءم مع التغيرات التكنولوجية الحديثة، لذا لا بد من العمل لمحاولة إكساب البشر المهارات الجديدة، ودمج اللاجئين مع المتغيرات التكنولوجية للدول المتقدمة ليلتحقوا بأسواق العمل.

ولكن ماذا لو قضت التكنولوجيا على نحو 1.2 مليار وظيفة وبالتالي 14.3 مليار دولار كانت تدفع كأجور، من هنا ستظهر الحاجة لتبني استراتيجيات أكثر قوة لمواجهة الآثار السلبية، وقد لخصها الكاتب في التالي:

1- فرض ضريبة على أجهزة الروبوت: كما اقترح بيل جيتس والاتحاد الأوروبي، ومن ثم استخدام عوائد تلك الضرائب في رفع كفاءة العمال وتدريبهم على مهارات جديدة أو تعويضهم على الأضرار التي ستلحق بهم، ولكن هناك انتقادات لها لأنها ستعيق عملية الابتكار والتطور التكنولوجي.

2- تطوير هيكل العمل: نسبة قليلة من البشر هي التي تعمل بالمراكز الفكرية والبحثية، والغالبية العظمى تعمل بالوظائف الروتينية، لذا فتدريب تلك العمالة على التفكير وطرح حلول نقدية مبتكرة للمشكلات التي ستواجه المجتمع ستكون خطوة فعالة.

3- التركيز على عمليات البحث والتطوير: لا سيما المجالات البحثية الطبية المتعلقة بتحسين الجين البشري، والقضاء على الأمراض المتوطنة ومواجهة الأمراض الناشئة، أو تجنب مخاطر الكوارث الطبيعية، وهو ما سيساهم في تحقيق نمو مجتمعي وتنمية بشرية.

4- تحميل الشركات جزءًا من المسئولية المستقبلية: بحيث لا ينصب مسار الشركات الكلي على تحقيق المنفعة الجزئية والأرباح، ولكن ستكون هناك مسئولية أكبر تجاه المجتمع عن طريق تركيز جزء من أنشطتها على التنمية المجتمعية مما سيكون له أثر كبير على تنمية الاستثمارات مستقبلًا.

5- تطوير استراتيجية قومية تركز على مستقبل سوق العمل: وسيكون ذلك بدعم مجالات التعاون بين قطاعي العمل الخاص والعام، لمواجهة كافة الآثار الاقتصادية والاجتماعية والصحية والأمنية التي ستنعكس على العمالة التي ستفقد وظائفها. وعلاوة على ما سبق فيجب دعم تدخل الدولة لأنه في حال ترك الاقتصاد كليًّا في يد القطاع الخاص؛ فسيئول ذلك لنتائج وخيمة على العمالة مستقبلًا.

 

تأثير الروبورت علي صناعة النفط في العالم

يُتوقع أن تؤدي تقنيات الذكاء الصناعي إلى تحولات جذرية في صناعة النفط على غرار العديد من الصناعات الأخرى، إذ من المتوقع أن يمتد تأثيرها إلى كافة العمليات التشغيلية للصناعة، بدءًا من الحفر والاستكشاف، مرورًا بالإنتاج، وانتهاء بالتوزيع. وحتى الآن، تكشف البحوث الأساسية عن ثلاثة تطبيقات رئيسية يمكن لصناعة النفط توظيفها، وهي: استخدام الروبوتات الذكية، وتحليل البيانات الضخمة، علاوةً على "أتمتة" خدمة العملاء.

وفي إطار مواكبة تطورات تكنولوجيا الذكاء الصناعي، اتجه حتى الآن عدد قليل من الشركات النفطية على مستوى العالم للتعاون مع الشركات التكنولوجية الكبيرة والناشئة -على حد سواء- لبحث سبل الاستفادة والتوسع في استخدامها مستقبلًا، فيما بدأت أخرى في توظيف تقنيات الذكاء الصناعي في أنشطتها على نطاق ضيق. ومستقبلًا، من المتوقع أن يؤدي التوسع في استخدام الذكاء الصناعي إلى تعزيز الكفاءة التشيغيلة لكافة العمليات، ومن ثمّ خلق وفورات اقتصادية كبيرة تُقدَّر بمليارات الدولارات، لكنها في مقابل ذلك ستؤدي إلى فقدان آلاف الوظائف.

تطبيقات مختلفة:

تترقّب صناعة النفط والغاز الطبيعي العالمية، على غرار غيرها من الصناعات، التطورات المتسارعة التي يشهدها مجال الذكاء الصناعي، والتي من المتوقع أن تفرض -وفق براهين علمية وعملية عديدة- تحولات جذرية على مستويات واسعة تشمل أساليب الإنتاج الصناعي، وخدمة العملاء، ومعدلات التوظيف. كما أن من المحتمل أن يمتد تأثيرها بالنسبة لصناعة النفط إلى كافة مراحل الصناعة، بدءًا من الاستكشاف، ومرورًا بالإنتاج والتكرير، وانتهاء بالتوزيع.

وتأتي هذه التحولات في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها صناعة النفط منذ أكثر من عامين في ضوء انخفاض أسعار النفط العالمية إلى أكثر من النصف حتى وصلت إلى 60 دولارًا للبرميل الآن، وهو ما دفع العديد من شركات النفط إلى التخفيض في نفقاتها الرأسمالية بشكل كبير إلى حين تحسن أوضاع أسواق النفط العالمية. وبالتزامن مع ذلك، سعت بعض الشركات لاستغلال تقنيات استخراج للنفط أكثر كفاءة وأقل كلفة لها كشركات النفط الصخري الأمريكية التي تستمر في جهودها حتى الوقت الراهن من أجل تطوير تكنولوجيا التكسير الهيدروليكي أملًا في خفض تكلفة إنتاج البرميل الواحد لكي تتماشى مع الأسعار العالمية المنخفضة.

وحتى الآن، كشفت البحوث الأساسية لتقنيات الذكاء الصناعي عن ثلاثة تطبيقات رئيسية يمكن لصناعة النفط توظيفها في أنشطتها المختلفة، وتتمثل في: استخدام الروبوتات الذكية Robots، وتحليل البيانات الكبيرة Big Data Analysis، وأخيرًا خدمة العملاء المؤتمتة فيما يُعرف بـVirtual Assistance. 

ففيما يتعلق بالروبوتات، فقد يكون بإمكان شركات النفط مستقبلًا التعويل عليها في إجراء كافة العمليات التشغيلية خلال الحفر، أو الإنتاج، أو مدّ أنابيب النفط، أو حتى نقل النفط، لتمثل بذلك بديلًا فعالًا للعمال الميدانيين.

بينما يتعلق ثاني هذه التطبيقات بتقنيات تحليل البيانات الضخمة، وهي عملية تتضمن معالجة عدد كبير جدًّا من المتغيرات اعتمادًا على خوارزميات الحواسب الآلية الفائقة Superpower Computer، من أجل تحليل هذه البيانات، واستخلاص نتائج دقيقة بشأن الأنشطة المختلفة، ومن ثم المساعدة في اتخاذ قرارات أكثر رشادة في عمليات الإنتاج أو الاستثمار في صناعة النفط. فمثلًا يمكن تحسين نتائج عمليات حفر آبار النفط اعتمادًا على خوازميات الذكاء الصناعي، إذ بالإمكان معالجة كميات كبيرة من البيانات المنظمة وغير المنظمة لخصائص الآبار، مثل: الاهتزازات الزلزالية، والحرارة، ونفاذية الطبقات، بجانب المزيد من البيانات التقليدية مثل الضغط وغيرها من عوامل الطبيعة الأخرى، لتتمكن شركات النفط بذلك من تفادي عمليات الحفر العشوائية أو الفاشلة بدرجة كبيرة، وبالتالي تجنب مخاطر الاستكشاف أثناء عمليات البحث عن موارد جديدة.

كما أن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي ذات الصلة بمجال النفط لا تقتصر على عمليات التنقيب والإنتاج، بل قد يمتد استخدامها من قبل الشركات النفطية لتحسين كفاءة منشآت البنية التحتية، علاوةً على المعدات النفطية الخاصة بعمليات الإنتاج والتكرير، وذلك عبر استخدام مجموعة من التحليلات التنبؤية التي تتوصل بدقة لمستويات الإهلاك المحتملة للأصول المادية بناء على مستويات الإنتاج الحالية.

** كما قد تساعد خوارزميات الذكاء الصناعي في اتخاذ قرارات استثمارية أكثر رشادة في مجال الاستكشاف والإنتاج، حيث يمكن بناء نماذج اقتصادية ومالية تنبؤية دقيقة تأخذ في اعتبارها مئات المتغيرات التي تشمل: أسعار النفط، والظروف الاقتصادية، والاحتياطيات، وحتى أنماط الطقس، ومن ثم يمكن تحديد قيمة رؤوس الأموال التي يجب استثمارها بدقة بجانب تحديد مستويات الإنتاج المحتملة الأكثر كفاءة اقتصاديًّا.

ويتمثل آخر هذه التطبيقات فيما يُعرف بالمساعد الافتراضي، وهي تقنية تحاكي مساعد آبل الافتراضي "سيري"، إذ بإمكان العملاء طرح استفساراتهم كتابيًّا من خلال نوافذ الدردشة عبر الإنترنت التابعة لشركات النفط، على أن يعمل في المقابل المساعد الافتراضي على تقديم المشورة الفنية والدعم المناسب لهم. وهي من الأهمية لشركات توزيع النفط والزيوت والتشحيم، إذ إنها تتيح الإجابة على التساؤلات والاستفسارات التقنية والمعقدة عبر استخدام قواعد بيانات الشركة بكل دقة وسرعة كبيرة، وبما يحقق مستويات أعلى من الرضا للعملاء.

استعداد عالمي:

لا يزال استخدام تقنيات الذكاء الصناعي في صناعة النفط محصورًا بين عدد قليل جدًّا من الشركات على المستوى العالمي، ويبدو ذلك منطقيًّا، حيث إن تقنيات الذكاء الصناعي نفسها لا تزال في طور النضج، ويحاول عدد كبير من الشركات الكبرى استكشاف ما يمكن أن تضيفه تقنيات الذكاء الصناعي لأعمالها ونطاق أنشطتها.

ومن بين الاستخدامات الضيقة حاليًّا للذكاء الصناعي في شركات النفط العالمية ما قامت به -على سبيل المثال- شركة "إيني" الإيطالية منذ نهاية عام 2017 والتي استخدمت حاسوبًا خارقًا وفقًا لـ"كلاوديو ديسكالزي" الرئيس التنفيذي للشركة، من شأنه تحسين دقة التصوير السيزمي والنماذج الجيولوجية، مما قد يحسن نتائج عمليات الحفر والإنتاج. وعلى غرار ذلك أيضًا تخطط شركة "بايونير" للموارد الطبيعية الأمريكية لاستخدام تقنيات تحليل البيانات الضخمة لتعزيز كفاءة نجاح حفر الآبار.

وفي مجال آخر لاستخدام تحليل البيانات الضخمة، تبنّت شركة "أباتشي" الأمريكية بالتعاون مع شركة "آياتا" المتخصصة في مجالات الذكاء الصناعي في غضون الأشهر الماضية استخدام الخوازميات للوصول إلى تحليلات تنبؤية حول مدى نجاح أو فشل معدات الضخ المستخدمة في عمليات الحفر والإنتاج. وبالنسبة لشركة "شل"، فقد أطلقت منذ عام 2015 ما يُعرف بالمساعد الافتراضي على مواقعها المخصصة لذلك، وهو منوط بالإجابة على استفسارات العملاء الخاصة بخصائص مشترياتهم من الشركات، لا سيما زيوت التشحيم.

وفي ظل الحلول المبتكرة التي قد يقدمها الذكاء الصناعي في صناعة النفط، سعت الشركات الأمريكية والأوروبية مؤخرًا لتعزيز تعاونها مع الشركات التكنولوجية الكبيرة والناشئة سعيًا منها للوصول إلى نتائج متماسكة حول تأثير الذكاء الصناعي على أنشطتها، ومن بين هذه الشركات "توتال" الفرنسية التي تُجري محادثات مع شركات التكنولوجيا الأمريكية -مثل: جوجل، ومايكروسوفت- للمساعدة في تطوير مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستكشاف والإنتاج في قطاع النفط والغاز.

فيما يُبدي عدد من الشركات النفطية الأخرى اهتمامًا بتوظيف تقنيات الذكاء الصناعي في مجالات بعينها، كشركة "إكسون موبيل" الأمريكية التي تتعاون حاليًّا مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لتصميم روبوتات ذكية تعمل في مجال استكشاف النفط في أعماق البحار والمناطق العميقة، علمًا بأن 60% من النفط في أمريكا الشمالية يوجد في المناطق العميقة. فيما تجري أيضًا شركة "ريبسول" الإسبانية مباحثات مع شركات تكنولوجية عديدة لتزويدها بتحليل البيانات الضخمة لتحسين دقة عمليات الحفر. 

وفي إطار هذا الاتجاه لمواكبة تطورات الذكاء الصناعي، لجأت بعضُ الشركات النفطية في الفترة الماضية للاستحواذ على بعض الشركات الناشئة العاملة في مجال الذكاء الصناعي، مثل شركة "بي بي" البريطانية التي استحوذت في يونيو 2017 على شركة "بيوند ليميتس" ومقرها كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية بقيمة 20 مليون دولار، والشركة الأخيرة لديها سبق تكنولوجي في استخدام الروبوتات الذكية. ومن ناحية أخرى، كان إقبال الشركات النفطية على استخدام الذكاء الصناعي دافعًا لشركة مثل "إنتل" الأمريكية في عام 2016 للاستحواذ على شركة "نيرفانا سيستمز" المتخصصة في تكنولوجيا الذكاء الصناعي لصناعة النفط.

آثار مستقبلية:

لا شك أن تقنيات الذكاء الصناعي لها العديد من الآثار الإيجابية على صناعة النفط في المستقبل، تتمثل بالأساس في تحسين كفاءة العمليات التشيغيلة والإنتاج والتكرير ومن ثم تحقيق وفورات مالية كبيرة للصناعة في وقت من المتوقع أن تتراجع فيه النفقات الرأسمالية للشركات النفطية على مستوى العالم بنحو تريليون دولار حتى عام 2020 على خلفية هبوط الأسعار العالمية للنفط، ومن ثم قد تقدم هذه التقنيات أدوات مفيدة لتحسين الأداء التشغيلي والمالي للشركات مستقبلًا.

 

ووفقًا لتقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي في دراسة أصدرها عام 2017، فمن المتوقع أن يؤدي توسع الشركات النفطية في استخدام الروبوتات إلى خفض تكاليف الحفر والصيانة بنسبة 20% و25% على التوالي، بالإضافة إلى تحقيق وفورات في نفقات التوظيف وغيرها، وهو ما يحقق للصناعة وفورات مالية مجموعها لا يقل عن 220 مليار دولار خلال الفترة من 2016 وحتى 2025. لكن في المقابل، قد تؤدي هذه التطورات إلى فقدان نحو 38 ألف وظيفة خلال نفس الفترة.

وبالمثل، من المحتمل أن تكون لتطبيقات تحليل البيانات الضخمة انعكاسات إيجابية عديدة على الصناعة، منها: خفض تكاليف الإنتاج والتطوير بنسبة 5%، في المقابل ستعمل على زيادة الإنتاج بنحو 3%، كما ستخفض تكاليف الصيانة واستخدام المواد الأولية بنسبة 20% و10% على التوالي. وفي ضوء ذلك، يمكن خلق وفورات مالية قد تصل إلى نحو 450 مليار دولار لصناعة النفط. 

ويجدر الاشارة الي أن تقنيات الذكاء الصناعي ستخلق عوائد إيجابية كثيرة لصناعة النفط، بيد أن النتائج التي توصل إليها المنتدى الاقتصادي لا تزال أولية، وسيتوقف بلوغها على مدى اتساع نطاق توظيف تطبيقات الذكاء الصناعي عالميًّا. علاوة على ذلك تُثير هذه التقنيات حتى الآن مخاوف الكثيرين من صُنّاع القرار نظرًا لتأثيرها السلبي على معدلات التوظيف.

 

الأخبار المتعلقة

التعليقات

موضوعات تهمك

زاوية

5c13d9140bf181300200603.jpg

لماذا مركز العاصمة الآن؟

5c13ecbdcade7978040903.jpg

بيروقراطية مدام عفاف!

5c14bc6d36b7e440278286.jpg

إنه يوم حزين