"دولة الموظفين".. هكذا يمكن وصف ما يحدث داخل الوزارات في مصر؛ وإن شئت قُل "تكتّل الموظفين"، فهم في الحقيقة يتجمعون في مكانٍ ما لإرهاق الدولة، وزيادة العبء عليها، و"تكفير" المواطنين ! نعم كما قرأت، فكلما أراد أحد المواطنين إنهاء إجراءات ما في أي جهة حكومية - لا سيمّا إن كان الأمر يتعلق ببطاقة شخصية أو جواز سفر- يضطر الوقوف في طابورٍ أشبه بطابور الجمعية لمدة كبيرة، يعقبها غطرسة مدام عفاف التي سرعان ما تقول له بصوتٍ عالٍ: "اطلع عند مدام هناء في الدور التالت وامضي الورقة وارجع تاني"، ليصعد الموظف إلى الطابق الثالث فيجد مدام هناء تتناول وجبة الإفطار، تاركة أمامها جيش من المواطنين تعطلت مصالحه وأحواله رغبة في إنهاء مصلحته.

عزيزي القارئ، هذا ما يُسمى بالبيروقراطية، فقبل أن تتخيل أنني أتفلسف وأتلاعب بمصطلحات معقدة، سأخبرك باختصار معنى البيروقراطية، لغويًا.. هي الأسلوب والنهج الذي يربط علم الاجتماع والسياسة ويستخدم القوة والسلطة في تطبيق الأنظمة والقوانين التي لا تراجع وتحدّث أبدًا، والهدف من هذا النهج هو إدارة شؤون المجتمع بكل طبقاته وشرائحه وتسييرهم على ذات المسار مهما اختلفت أو تباينت حالاتهم الفردية، هُنا أنا لا أتحدث عن البيروقراطية بمعناها اللغوي، بل بمعناها الإداري، ففي المعنى الإداري لا يمكن أن تكون البيروقراطية شيئًا إيجابيًا أبدًا، فهي قاتلة للطموح، مخيبة للآمال، مستهلكة للوقت، غير قابلة للمرونة، هي فقط خُلقت لتعطّل وتطيل مسار العمليات الداخلية للمنشأة وترفض فكرة تطبيق المعرفة الإدارية.

منذ شهرين؛ ذهبت إلى السجل المدني قبل انتهاء البطاقة بأيامٍ قليلة، رغبة في تجديدها، إلا أنني لم أكن أعلم أن الأمر سيكون أكثر مشقة من تحطيم خط بارليف، أتذكر أن المدة التي أخذتها إجازة من عملي حوالي 4 أيام؛ ففي كل مرة أذهب يعطلني أحد الموظفين، ويُرسلني لمدام عفاف في الدور التالت، وعندما ارتفع صوتي داخل المبنى أخبروني بالمشكلة.. لك أن تتخيل قارئي العزيز أن الأزمة هُنا بسبب نزعي الحجاب عن رأسي منذ ثلاث سنوات! تعجبت كثيرًا إلا أن الموظفة التي ارتضت أن تُنصّب نفسها إلهة صرخت في وجههي: "هنعملك إيه ما تحطي أي طرحة على رأسك وخلصي الموضوع"، دون الدخول في تفاصيل أكثر قررت أن أذهب إلى المنزل غير عابئة بتجديد البطاقة أم لا، حتى استغرق الأمر شهرًا كاملًا لحين إصدار بطاقة أخرى بعد توصيات عديدة.

لك أن تتخيل أن تكتّل الموظفين أصبح أقوى من الدولة، لماذا تتعطل مصالح المواطنين شهرًا أو أكثر لكون الموظف لا يريد أن يعمل؟ لماذا لم تعلن أجهزة الدولة ثورة على النظام البيروقراطي بلا رجعة؟ كم مرة طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي بتطوير الجهاز الإداري للدولة؟.. ما يُحزنني أن المشاريع القومية في الـ 4 سنوات الماضية جميعها كانت بعيدة عن الجهاز الإداري للدولة، لذا يجب الالتفات بشدة إلى هذه المشكلة ومعالجتها علاج جذري لا رجعة فيه.

لماذا لا تُطبق مصر نظام الحكومة الالكترونية؟ أليس هو الحل الأمثل للسيطرة على مثل هذه الأزمات؟ فحين نُطبق الحكومة الالكترونية مثلما فعلت دولة الإمارات الشقيقة، سيصبح تعامل المواطن مع الموظف أقل كثيرًا وسنتمكن نحن المواطنون من إنهاء كافة الإجراءات والمصالح بشكلٍ إلكتروني بسيط، دون الحاجة إلى تعطيل أنفسنا وإزعاج مدام عفاف !

حل البيروقراطية يُحتّم وجود الميكنة، أي استخدام الأدوات الإلكترونية في كل المجالات، مع ضرورة الاستغناء عن العنصر البشري قدر المستطاع في إنجاز الأعمال، أما عن العمالة الزائدة التي تنتج عن هذه الميكنة، فيجب على الدولة تحديد أولوياتها وأهدافها، وهل ما إذا كانت تريد دفع الرواتب للموطفين كإعانة اجتماعية، أم أنها تريد أن تحذو حذو الدول المتقدمة وتصبح في مصافهم، وتقضي على مدام عفاف !

موضوعات تهمك

زاوية

5c13d9140bf181300200603.jpg

لماذا مركز العاصمة الآن؟

5c13ecbdcade7978040903.jpg

بيروقراطية مدام عفاف!

5c14bc6d36b7e440278286.jpg

إنه يوم حزين