loading

اقتصاد الصين 

لقد كانت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة الاقتصادية لفترة طويلة من القرن الماضي. وسوف يؤدي الصعود الاقتصادي القوي للصين في مقابل التراجع الأمريكي إلى تبدل موازين القوى ويعطى الصين القدرة والرغبة في تغيير معادلة النفوذ العالمية. وبالفعل فقد دخلت الولايات المتحدة والصين مرحلة المواجهة على النفوذ الجغرافي السياسي، إذ أن الصين تصبح أكثر حزماً كلما أصبحت أكثر ثراءً. 
كما تغير ميزان القوى العالمي بعد الأزمة المالية العالمية أدى إلى تضييق الفجوة بين الصين والولايات المتحدة، ما دفع إلى تطوير العلاقات الثنائية وزيادة اعتماد بعضهما على البعض. وبالفعل، أصبحت العلاقات الصينية الأمريكية تسير وفق معادلة معقدة، هي مزيج من الصراع والتعاون.

ولقد أصبحت الصين اليوم قوة اقتصادية عظمى نتيجة لإعتمادها أفضل ما في الرأسمالية الغربية، وأضافت إليها التخطيط الحكومي، في سباق لتصبح القوة العظمى الأولى في العالم. وتستمر الصين في الاستثمار لمستقبلها، وخلق فرص العمل، وبناء البنى التحتية، وتمويل التعليم والتكنولوجيا ساعية إلى رفع نسب نمو ناتجها الاجمالي المحلي، في حين تغرق الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا في مرحلة من تباطؤ النمو الاقتصادي .

وقد شقت الصين طريقها بنجاح في مجالات واسعة مثل الكفاءة في التصنيع، وتكنولوجيا السكك الحديدية عالية السرعة، والطاقة النووية، وتكنولوجيا الطاقة النظيفة، والتعليم وغيرها.

ونتيجة لهذا الأمر، بدأت الولايات المتحدة الأميركية تنظر إلى الصين على أنها قوة صاعدة لها دورها الأقليمي والعالمي، ولكنها ترى فى الوقت نفسه أن صعود الصين يهدد مصالحها الحيوية وأمنها القومي. وأصبحت العلاقات الصينية-الأمريكية علاقات معقدة تتراوح بين التقارب حيناً والتصارع حيناً أخر بسبب الاختلاف في مصالح كل منهما.

التنين الصيني العملاق … هل يجتاح الأسواق ويصبح في المركز الأول عالميا؟

حقق الاقتصاد الصيني خلال العام 2017 نموا بنسبة 6.9 على أساس سنوي، متفوقا على النسبة التي حددتها الحكومة للنمو والمقدرة بـ6.5 في المئة، بحسب تقرير المكتب القومي للإحصاء الصادر في 18 يونيو 2018.

وجاء في التقرير، أن الاقتصاد الصيني حافظ على استقراره خلال العام 2016، لكن الأداء الإيجابي خلال ذلك العام جاء نتيجة الترويج الحكومي للإصلاحات  المتعلقة بجانب العرض والإمداد وتطوير حوافز نمو جديدة بالإضافة إلى الامتناع عن “إغراق” الاقتصاد بردود فعل قوية.

وكان النمو الاقتصادي الصيني، الذي أصبح ثاني أكبر اقتصاد عالمي بعد الاقتصاد الأميركي، خلال العام 2016 بلغ 6.7 في المئة، وهي أدنى نسبة نمو  خلال ربع قرن.

والتزمت الصين بالتنمية النوعية، بما فيها خلق بنية وهيكلية اقتصادية سليمة وصحية في إطار بيئة أفضل، بدلا من التركيز على النمو الاقتصادي فقط.

وحققت مبيعات التجزئة للبضائع الاستهلاكية نموا بنسبة 10.2 في المئة على أساس سنوي، لتبلغ نحو 5.69 تريليون دولار، بلغت مساهمتها في حوالي 58.8 في المئة من التوسع الاقتصاد للعام المنصرم، بينما قفز الإنفاق عبر الإنترنت بنسبة 32.2 في المئة، مسجلا رقما قياسيا بلغ 1.1 تريليون دولار.

وفيما تواصل الصين إعادة توازن اقتصادها وتراجع الزيادة في النمو الائتماني، يتوقع البنك الدولي أن ينمو الاقتصاد الصيني خلال العام 2018 بنسبة 6.4 في المئة، وبنسبة 6.3 في المئة خلال العام 2019.

الصين الأولي عالمياً بشهادة الخبراء 

اعتبر الخبير الاقتصادي السوري، الدكتور حيان سلمان، الإجراءات الأمريكية بفرض رسوم على الواردات الصينية، خرقا واضحا لمنظومة الاقتصاد العالمي، وخروجا عن مبادئ منظمة التجارة العالمية، التى كانت واشنطن أحد أكبر داعمي تأسيسها في عام 1991 بعد اتفاقية الجات .

وقال الخبير السوري، في مداخلة مع برنامج “بين السطور” عبر إذاعة “سبوتنيك” أن “الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين لم تعد الأولى عالميا من نوعها، لكنها الأضخم . 

وحول هدف واشنطن من إجراءاتها الاقتصادية الأخيرة، أوضح الخبير الاقتصادي، أن “الولايات المتحدة اعتمدت سياسيات انتقائية أو الحمائية النوعية؛ لتقليل عجز الميزان التجاري —الصادرات والواردات- باعتبار الصين أكبر مصدر لها، فضلا عن كون الصين هي المدين الثاني للولايات المتحدة بعد البنك الفيدرالي الأمريكي “مؤسسة خاصة.

وأشار إلى محاولة واشنطن لتخفيف حدة الهيمنة الصينية على الاقتصاد الأمريكي، فضلا عن توسع بكين الاقتصاي غير التقليدي في آسيا وأفريقيا، وهذه الأسواق تعتبرها واشنطن احتكارا لها. —وفق تعبيره

وحول إمكانية تحالف الاتحاد الأوروبي والصين ضد سياسات ترامب الاقتصادية،

  استبعد الدكتور حيان سليمان، الخبير الاقتصادي السوري، حدوث تحالف بين الصين والاتحاد الأوروبي في هذا الشأن لعدة أسباب منها؛ أن الاتحاد الأوروبي المهدد بالانقسام ليس لديه كلمة اقتصادية حاليا على الساحة العالمية، ثانيا ارتباط دول أوروبا بشكل هيكلي مع الاقتصاد الأمريكي، واصفا الاتحاد الأوروبي بأنه أعجز من أن يغرد خارج السرب الأمريكي، بحسب قوله.

وحول انعكاس الحرب التجارية على العلاقات السياسية بين الدول الكبري، أشار إلى إن الاقتصاد والسياسية الآن ليسا وجهين لعملة واحدة كما قال كارل ماركس، ولكن العلاقة بينهما جدلية.

القوس الأسيوي 

 تحدث الخبير الاقتصادي عن ظهور ما يسمى بالقوس الآسيوي، الذي يمتد من روسيا إلى الصين، مرورا بالهند، وصولا إلى ايران، معتبرا أن هذه الدول الأربعة ساهمت في ارتفاع معدل النمو الاقتصادي العالمي، خلال السنوات الخمس الأخيرة بأكثر من 50%، فضلا عن تحقيقها فائضا كبيرا في الميزان التجاري مع دول الأطلسي.

وتابع: “هناك دول اقتصادية ناشئة

-البريكس الخمس- بدأت تشق طريقها لتصبح قوى اقتصادية كبيرة، وهذه الدول أعلنت البدء في تنفيذ خط الحرير الذي يضم الصين، روسيا، إيران، سوريا ومصر، متوقعا حال الانتهاء من طريق الحرير، تقدم الاقتصاد الصيني ليحتل بعدها المركز الأول عالميًا عام 2022، بعد أن أزاح ألمانيا 2009 واليابان 2010 من طريقه .   

 

نمو اقتصادي في 2017 وتوقعات بالاستمرار في 2018/2019

رفع البنك الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي في الصين في العام الحالي إلى 6.8 بالمئة من 6.7 في أكتوبر تشرين الأول حيث دعم الاستهلاك الفردي والتجارة الخارجية النمو، وأبقى البنك توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين لعامي 2018 و2019 دون تغيير عند 6.4 و6.3 بالمئة على التوالي نتيجة سياسة نقدية أقل تيسيرا وجهود الحكومة لكبح جماح الائتمان وفرض قيود على الإقراض

والمخاطر الأساسية التي قد تؤدي لخفض التوقعات هي استمرار ارتفاع الإقراض في القطاع غير المالي والضبابية المتعلقة بأسعار المنازل، وقال البنك الدولي في تحديثه الاقتصادي بشأن الصين ”برغم التباطؤ في الآونة الأخيرة يواصل الائتمان النمو بوتيرة أسرع على نحو ملحوظ مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي. وسجلت القروض المصرفية المستحقة 150 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في نوفمبر 2017 ارتفاعا من 103 بالمئة في نهاية 2007

*ونما الاقتصاد الصيني بوتيرة أسرع من المتوقع بلغت 6.9 بالمئة في الشهور التسعة الأولى من العام لكن حملة بكين لخفض المخاطر في القطاع المالي رفعت تكاليف الاقتراض وزدات مخاوف تعثر نمو الناتج المحلي الإجمالي في العام المقبل.

لكن تقرير البنك الدولي قال إن النمو القوي منذ بداية العام الحالي منح صناع القرار فرصة تسريع خفض وتيرة الإقراض الذي ”سيكون على الأرجح على حساب نمو أبطأ للناتج المحلي الإجمالي في المدى القريب لكنه سيحسن التوقعات الاقتصادية للصين في المدى الطويل“، وأضاف التقرير أن المخاطر الخارجية على الاقتصاد الصيني تشمل احتمال مواجهة سياسات تجارية أكثر تقييدا في الاقتصادات المتقدمة وكذلك التوترات الجيوسياسية.

ومن الجدير بالذكر أن الصين، البالغ عدد سكانها 1.39 مليار نسمة، بدأت الإصلاحات الاقتصادية في عهد الرئيس الراحل دينغ شياوبينغ، عام 1978، لتصبح أسرع الاقتصادات نموا في العالم، التي استمرت على مدى عقد كامل عند نسبة نمو 10 في المئة سنويا، منتشلة أكثر من 800 مليون نسمة من الفقر.

الاحتياطي النقدي الصيني إلي أين يذهب ؟

خطت احتياطيات الصين من النقد الأجنبي مستوى الثلاث تريليونات دولار في عام 2011. وتعتبر الصين الآن هي أكبر دولة مالكة لاحتياطيات النقد الأجنبي في العالم، بحجم احتياطيات تبلغ 3.18 تريليون دولار، متغلبة بذلك على جميع دول العالم من دون استثناء، ويُعد الارتفاع المستمر في حجم الاحتياطيات النقدية الصينية، سواءً من حيث القيمة المطلقة أو من حيث نسبتها إلى الاحتياطيات النقدية العالمية، موضعًا للتساؤل، ولا سيما حول أسباب هذا الارتفاع مقارنة بمعدلات ارتفاع احتياطيات الدول الأخرى، بل وتحول الارتفاع في الاحتياطيات النقدية الصينية إلى ظاهرة استثنائية ليس لها مثيل في العالم. كما تُعتبر الاحتياطيات النقدية الوفيرة الآن هي وسيلة تستخدمها الحكومة الصينية في تمويل توسعها الاستثماري حول العالم، وتطبيق خططها المتعلقة بمبادرة “الحزام والطريق”، وهو ما يجعل تلك الاحتياطيات بمثابة الآلية الفعالة في يد الصين لترسيخ نموذجها الجديد من العولمة الذي تُطلق عليه اسم “العولمة الصينية”.

تطور الاحتياطيات النقدية:

شهدت الاحتياطيات النقدية الصينية تطورات كبيرة خلال الاثني عشر عامًا الماضية، وبالتحديد منذ عام 2006 حتى عام 2018، فقد  تخطت تلك الاحتياطيات مستوى التريليون دولار لأول مرة في عام 2006، مسجلة 1.07 تريليون دولار، وهو ما مثّل في حينه نحو 20% من الاحتياطيات النقدية العالمية التي بلغت 5.25 تريليونات دولار. وكانت هذه أيضًا هي المرة الأولى التي تتعدى فيها نسبة الاحتياطيات النقدية الصينية مستوى 20% فما فوق من إجمالي الاحتياطيات النقدية العالمية. ومن ثم استمرت الاحتياطيات الصينية في الارتفاع في السنوات التالية، إلى أن بلغت 3.84 تريليونات دولار في عام 2014، وهو أعلى مستوى لها على الإطلاق، متجاوزة بذلك ما نسبته 33% من إجمالي الاحتياطيات النقدية العالمية، البالغة 11.59 تريليون دولار آنذاك.

وبرغم تراجعها بشكل نسبي خلال السنوات التالية، فإن الاحتياطيات النقدية الصينية لم تنخفض عن مستوى 3 تريليونات دولار إلا في عام واحد هو عام 2017، حيث بلغت 2.99 تريليون دولار، بما ناهز ما نسبته 26% من إجمالي الاحتياطيات النقدية العالمية التي بلغت 11.43 تريليون دولار في حينه. ومن ثم سجلت الاحتياطيات الصينية ما يقدر بنحو 3.18 تريليونات دولار في عام 2018، بنسبة 27% من الاحتياطيات العالمية البالغة 11.59 تريليون دولار، وهو نفس مستوى الاحتياطيات العالمية لعام 2014.

ومن خلال التطورات التي طرأت على الاحتياطيات النقدية الصينية خلال العقد الأخير، يمكن رصد ملاحظتين هامتين، أولاهما أن هذه الاحتياطيات تبنت نفس الاتجاه العام للتغيرات التي طرأت على الاحتياطيات النقدية العالمية ككل خلال نفس الفترة. وإذا كان ذلك يعني أن الاحتياطيات الصينية تعرضت للتراجع كأحد الخسائر التي تعرض لها الاقتصاد الصيني خلال مراحل الركود المالي العالمي، فإن ارتفاع الاحتياطيات الصينية في وقت ارتفاع الاحتياطيات العالمية مثل مكسباً مهماً للاقتصاد الصيني، إذ أنه يدل على أن هذا الاقتصاد حصل على نصيبه من التدفقات النقدية عبر الحدود الدولية.

أما ثاني الملاحظات، فتتعلق بوتيرة الارتفاعات التي طرأت على الاحتياطيات الصينية خلال الفترة 2000-2014، والتي كانت أعلى منها بالنسبة للاحتياطيات العالمية؛ فبينما بلغ متوسط معدل النمو السنوي للاحتياطيات الصينية نحو 26% خلال تلك الفترة، فإن هذا المعدل لم يتجاوز 14% بالنسبة للاحتياطيات العالمية في الفترة ذاتها. ولذلك فقد كان نحو 38% من حجم الزيادة التي طرأت على الاحتياطيات العالمية خلال الفترة المذكورة هو من نصيب الصين بمفردها.

مصادر الفوائض المالية:

كان العامل الأكثر أهمية الذي ساعد الصين على تكوين احتياطياتها النقدية الضخمة عبر السنوات، هو أنها تحقق وبشكل شبه دائم فائضاً في الموارد المحلية (الادخار القومي الإجمالي مطروحًا منه الاستثمار القومي الإجمالي)، حيث أن “الادخار القومي الإجمالي” في الصين ظل أعلى من “الاستثمار القومي الإجمالي” بها في أغلب السنوات منذ عام 1980 حتى الآن. بل إنه ظل أعلى منه وبشكل دائم بها بداية من عام 1994 حتى الآن. ولذلك فقد حققت الصين فائضًا في “الموارد المحلية”، بلغ متوسطه نحو 3.4% سنويًّا من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 1994-2018.

وبشكل مبسط، فإن حجم الأموال المدخرة على المستوى الكلي في الصين كان أعلى من حجم الأموال اللازمة لتمويل الاستثمار به على مدار العقود الثلاثة الماضية تقريبًا؛ وقد أدى ذلك إلى تراكم المدخرات في الاقتصاد، ومن ثم تكوين الفوائض المالية المشار إليها. وقد بلغت قيمة المدخرات المتراكمة في الصين حتى نهاية عام 2017 نحو 3.3 تريليونات دولار، وهي القيمة القريبة جدًّا من قيمة الاحتياطيات النقدية للصين الآن. 

وإذا كان فائض الموارد المحلية هو المصدر الأساسي الذي تمتلكه الصين لتكوين فوائضها المالية، فإن هناك عوامل مساعدة لها على ذلك، ويأتي فائضها في الحساب الجاري على رأس هذه العوامل، وكذلك إيراداتها المتزايدة من القطاع السياحي، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشرة الوفيرة  المتجهة إليها، إلى غير ذلك من المصادر، وبخاصة مصادر التمويل الآتية من الخارج، في ظل توجه الاقتصاد الصيني إلى المزيد من الانفتاح على العالم الخارجي، مدفوعاً بفائض الإنتاج المحلي الكبير الذي لا يستطيع توفير طلبٍ محليٍّ كافٍ لاستيعابه، هذا بجانب قيام الصين بتيسير قواعد الاستثمار الأجنبي، ومن ثم اجتذاب المزيد من التدفقات الاستثمارية من الخارج.

وقد تمتع الاقتصاد الصيني بقدرات تصديرية استثنائية خلال العقد الماضي، فأصبح أكبر اقتصاد مُصدّر في العالم بداية من عام 2009، متفوقًا على الاقتصاد الألماني، وساعده ذلك على تحقيق فوائض تجارية كبيرة على مدار العقد. وتُظهر بيانات “مكتب الإحصاء الوطني” الصيني أن فائض الميزان التجاري للصين (الخاص بتجارة السلع) بلغ 430.8 مليار دولار في عام 2017، بعد أن سجل مستوى قياسيًّا في عام 2015، بلغ 593.9 مليار دولار. وبرغم انخفاضه في بعض السنوات، إلا أنه حافظ على مستوى لا يقل عن 155 مليار دولار على مدار العقد. وبالتأكيد ساعد الفائض التجاري في تأمين الكثير من احتياجات الاقتصاد الصيني من الإيرادات المالية عمومًا، ومن العملات الأجنبية خصوصًا.

ومع ملاحظة أن الصين لا تُعد مصدرًا كبيرًا للخدمات، فإن ميزان الخدمات الخاص بها يحقق عجزًا متواصلًا، الأمر الذي يمتص جزءًا من فائضها المتحقق في ميزان السلع، الأمر الذي يقلص فائض الحساب الجاري لديها (الذي يشمل ميزان السلع وميزان الخدمات). وقد بلغ فائض الحساب الجاري للصين 265.9 مليار دولار عام 2017. وبرغم انخفاضه في بعض السنوات خلال العقد الماضي (2007-2017)، إلا أنه بقي أعلى من 136 مليار دولار سنوياً. وهو ما مكن الصين من تحقيق فوائض مالية تراكمية بمقدار 695.9 مليار دولار خلال العقد، وذلك من بند التجارة الخارجية للسلع والخدمات فقط.

وبجانب التصدير، فإن الصين شهدت تطورًا كبيرًا على صعيد الإيرادات السياحية خلال السنوات الماضية، حيث تضاعفت إيراداتها السياحية ثلاث مرات خلال الفترة من 2007-2016، فارتفعت من نحو 41 مليار دولار سنويًّا، إلى ما يزيد عن 120 مليار دولار سنويًّا بنهاية الفترة، ما ساعد في دعم الإيرادات العامة للدولة عمومًا، ومتحصلاتها من النقد الأجنبي خصوصًا.

اتجاهات استثمار الفوائض:

تأخذ الفوائض المالية الصينية العديد من الصور، ويتركز الجزء الأكبر منها في صورة أصول مملوكة لصناديق الثروة السيادية الصينية، حيث تمتلك الصين أربعة صناديق سيادية تبلغ القيمة الإجمالية لأصولها نحو 1.68 تريليون دولار، بما يساوي نحو 21.1% من إجمالي أصول صناديق الثروة السيادية حول العالم، وفق بيانات معهد صناديق الثروة السيادية لشهر يونيو 2018. أما عن الجزء المتبقي فهو يأخذ أحد شكلين، فهو إما أنه استثمارات وأصول مملوكة لشركات صينية أخرى، حكومية أو شبه حكومية أو خاصة، أو أنه أصول سائلة لدى البنك المركزي الصيني، سواءً كانت مدَّخرة لديه بشكل مباشر أو كاحتياطيات في القطاع المصرفي الصيني بشكل عام.

هذا بالنسبة إلى الملكية، أما عن قنوات إنفاق الفوائض المالية التي تمتلكها الصين، فإن أغلبها يأخذ صورة استثمارات موزعة على 111 دولة، ما قد يجعلها الاستثمارات الدولية الأكثر انتشارًا حول العالم. وتأتي الولايات المتحدة في مقدمة الدول المستقبلة للاستثمارات الصينية، إذ إنها تحتضن ما يناهز 1.36 تريليون دولار منها، بما يمثل 42.7% من إجمالي الاستثمارات الصينية في الخارج. ويذهب نحو 177.2 مليار دولار، بما يساوي 13% من استثمارات الصين في الولايات المتحدة إلى مجالات الاستثمار المباشرة، فيما تبلغ قيمة استثماراتها غير المباشرة هناك نحو 1.18 تريليون دولار، أو ما يساوي نحو 87% من الإجمالي. وتجدر الإشارة إلى أن الصين تعد أكبر مالك للسندات الحكومية الأمريكية، إذ إنها تمتلك نحو 29.6% من إجمالي قيمة تلك السندات.

وتعتبر أستراليا ثاني دولة مستقبلة للاستثمارات الصينية، لاسيما الاستثمارات المباشرة منها، فهي تستحوذ على 8.6% من الاستثمارات الصينية حول العالم، بقيمة تبلغ 94.3 مليار دولار. فيما تأتي بريطانيا في المرتبة الثالثة، بقيمة 72.9 مليار دولار، وبنسبة 6.7% من الاستثمارات الصينية المباشرة حول العالم. فيما تحتل سويسرا المرتبة الرابعة، باستثمارات تبلغ 60.9 مليار دولار، وبنسبة 5.6% من الاستثمارات الصينية الخارجية، ثم تأتي البرازيل في المرتبة الخامسة بإجمالي 56.6 مليار دولار، وبنسبة 5.2% من استثمارات الصين المباشرة حول العالم.

ووفقاً لكل ذلك ، فإن الفوائض المالية الصينية تُعد أحد المتغيرات الاقتصادية ذات الأهمية الخاصة، سواءً بالنسبة للصين ذاتها أو بالنسبة للاقتصاد العالمي ككل، فهي من زاوية تعد مؤشرًا على قدرة الصين على تحقيق مكاسب مالية على حساب كافة الشركاء التجاريين والاستثماريين حول العالم. ومن زاوية أخرى فهي تعد دليلًا على القدرات التمويلية التي يمتلكها الاقتصاد الصيني، ومؤشر على تفوقه الواضح في ضخ الاستثمارات والاستفادة من الفرص الاستثمارية المتوافرة حول العالم، بما لا ينافسه فيه أي اقتصاد آخر. ومن زاوية ثالثة، فتعد الاستثمارات الصينية أحد مصادر التمويل التي يُعوَل عليها لتنفيذ المشروعات الكبرى في العديد من الدول والمناطق.

* ويمكن هنا القول أن الفوائض المالية الصينية تعد هي المصدر الرئيسي لتمويل إطلاق مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقتها وشرعت في تنفيذها الصين خلال السنوات الخمس الماضية، وهي مبادرة ذات طابع عالمي شامل، يشترك فيها 75 دولة حتى الآن. ومع كل ذلك يستوجب التأكيد على أن الصين مطالبة دائماً بإيجاد آليات كفؤة لاستغلال فوائضها المالية وتوظيفها بشكل فعال، من أجل تجنب حدوث أزمات مالية باقتصادها، كالتضخم والفقاعات العقارية والاضطرابات المالية، والتي قد لا تقتصر أبعادها السلبية على المستوى المحلي بها، لكن قد تشمل الاقتصاد العالمي كله.

**** وفي حين تشاهد الولايات المتحدة الأميركية النمو السريع للاقتصاد الصيني، فإنها لا زالت مطمئنة أنها لا زالت قادرة على الحفاظ على استدامة ميزتها التنافسية. وفي الأجلين القصير والمتوسط، سوف تحتفظ الولايات المتحدة بمكانتها كأكبر اقتصاد في العالم، على الرغم من أن هذه المكانة مهددة على المدى الطويل من قبل الصين. ومع ذلك، وفي حين أن حجم الاقتصاد الصيني قد يتفوق على حجم الاقتصاد الأميركي خلال بضع سنوات، فإن الولايات المتحدة ستبقى متفوقة في معظم المؤشرات المتعلقة بمستويات المعيشة ونوعية الحياة.


التنافس بين الصين والولايات المتحدة الأميركية وتشابك اقتصادهما

تشكو الولايات المتحدة بشكل دائم من أن الصين تبقي عملتها أقل من قيمتها الحقيقية بشكل مصطنع، الامر الذي يساعد المصدرين الصينيين على زيادة صادراتهم – وخاصة إلى الولايات المتحدة – بصورة ‘غير عادلة’. كما تتهمها بتحقيق فائضاً ضخماً من تجارتها معها بسبب إنخفاض قيمة عملتها ما يجعل الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة أقل تكلفة والواردات من الولايات المتحدة أكثر تكلفة. 
* في المقابل، تعتبر الصين أن الخلل في التجارة بين البلدين هو نتيجة للسياسات الاقتصادية الأميركية التي أدت إلى ضعف تنافسية المنتجات الأميركية، وليس سعر الصرف. وأعلنت الصين مراراً أنها تنتظر نهوضاً قوياً للنشاط الاقتصادي العالمي قبل أن تعيد النظر في سعر صرف عملتها لكي لا ينعكس ذلك سلباً على صادراتها، وبالتالي نموها الاقتصادي الذي يشكل (مع الأسواق الصاعدة الكبرى الأخرى) قاطرة النمو الاقتصادي العالم. 
** وتتهم الولايات المتحدة الصين بإستمرار بقرصنة المنتجات الأميركية، وتعد السينما والموسيقى والنشر والعاب الفيديو والنسيج والمواد الكيميائية والتجهيزات الكهربائية وتكنولوجيات الاعلام أكثر القطاعات تأثراً بالقرصنة. كما تشكو الشركات الامريكية التي تستثمر في الصين من سرقة حقوق الملكية الفكرية، والمزايا غير العادلة التي يتمتع بها المنافسون المحليون.
– كما يتصاعد الصراع بين الولايات المتحدة والصين ليشمل السباق على الحصول على المواد الأولية وخاصة من إفريقيا وأميركا اللاتينية. 
ومن الأمور الأخرى التي تزيد التوتر بين البلدي أن الصين تنتج حوالي 97% عناصر الأرض النادرة، والتي تدخل في الصناعات التكنولوجية والأجهزة الإلكترونية، والهواتف المحمولة، وأجهزة الكمبيوتر والصواريخ الموجهة، والليزر، وأنظمة الاتصالات والرادارات، وإلكترونيات الطيران، وأجهزة الرؤية الليلية، والأقمار الصناعية، وغيرها من الكثير من الصناعات الاستراتيجية. وتقلق أميركا من احتمال خفض الصين للإمدادات من هذه المعادن النادرة.
وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من المنافسة الشديدة بينهما وعلى كافة الأصعدة السياسية والإقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، نجد تشابكاً كبيراً بين المصالح الإقتصادية للصين والولايات المتحدة. إذ تستثمر الصين حوالي 1.3 تريليون دولار في سندات الخزانة الأميركية، مما يجعلها أكبر دولة أجنبية مالكة لديون حكومة الولايات المتحدة، وثالث مدين لها بعد الاحتياطي الفدرالي الاميركي ومؤسسة التأمينات الاجتماعية الاميركية. وخلال سنوات عديدة، استخدمت الصين كميات كبيرة من فوائضها المالية في شراء سندات الخزانة الأمريكية. وكانت واشنطن ترحب بهذا الأمر الذي يساعدها على تمويل عجز موازنتها الضخم، حيث تزيد الانفاق دون الحاجة إلى رفع الضرائب. في المقابل، ومع استمرار الولايات المتحدة في إصدار المزيد من النقد ودفع فوائد منخفضة جداً على سندات الخزينة، تدعي الصين أنها خسرت حوالي 271 بليون دولار بين عامي 2003 و2010 نتيجة لحيازتها سندات الخزانة الأمريكية. 
**اما بالنسبة للتجارة، فتستورد الولايات المتحدة حوالي 25% من صادرات الصين، ويبلغ حجم التجارة بين البلدين ما يقارب 500 بليون دولار سنوياً.
**** وهكذا، يختلف الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين عن كل أشكال الصراعات في الماضي حيث أن التعاون بينهما يبلغ درجة عالية. فالصين بحاجة إلى شراء أمريكا لمنتجاتها، كما إن الولايات المتحدة بحاجة للقروض التي تمنحها أياها الصين، ما يعني أن مصيرهما الاقتصادي في المستقبل القريب على الأقل أصبح مرتبطاً بدرجة كبيرة. مع الاشارة إلى أن الصين ترغب على المدى البعيد أن تخفف اعتمادها على التصدير لبضائعها وتبدأ في توسيع مبيعاتها داخل الصين نفسها. كما أن الولايات المتحدة ترغب في توزيع ديونها على عدد كبير من الدائنين.

**** وفي حين تشاهد الولايات المتحدة الأميركية النمو السريع للاقتصاد الصيني، فإنها لا زالت مطمئنة أنها لا زالت قادرة على الحفاظ على استدامة ميزتها التنافسية. وفي الأجلين القصير والمتوسط، سوف تحتفظ الولايات المتحدة بمكانتها كأكبر اقتصاد في العالم، على الرغم من أن هذه المكانة مهددة على المدى الطويل من قبل الصين. ومع ذلك، وفي حين أن حجم الاقتصاد الصيني قد يتفوق على حجم الاقتصاد الأميركي خلال بضع سنوات، فإن الولايات المتحدة ستبقى متفوقة في معظم المؤشرات المتعلقة بمستويات المعيشة ونوعية الحياة.

انعكاسات “دبلوماسية الديون” الصينية على النفوذ الأمريكي

يشهد النظام الدولي في الآونة الأخيرة تنافسًا اقتصاديًّا محتدمًا بين الولايات المتحدة والصين، تسعى الأخيرة إلى استثماره في بناء قوة عسكرية مؤثرة إقليميًّا ودوليًّا، ونفوذ سياسي. وتتوسع القيادة الصينية خلال العقود الماضية في سياسة إقراض دول متعثرة لتعزيز مكانتها الدولية، والذي سيؤثر على مكانة واشنطن في ظل نظام دولي يمر حاليًّا بموجة من التغييرات.

وفي هذا الإطار، نشر مركز “بيلفر للعلوم والشئون الدولية” التابع لجامعة هارفارد في مايو ٢٠١٨، دراسة بعنوان “دبلوماسية دفتر الديون”، أعدها “سام باركر”، و”جابرييل شفيتز”، الحاصلان على درجة الماجستير في السياسة العامة بكلية هارفارد كينيدي، والتي تعرض تحليلًا عن الفائدة الاستراتيجية للصين من سياسة الإقراض، وتأثيراتها على المصالح الأمريكية، وسبل مواجهة الإدارات الأمريكية لتلك التأثيرات.

الإقراض الصيني:

يشير التقرير إلى توسع الصين -في العقود الماضية- في إقراض دول متعثرة، وهو ما أطلق عليه الكاتبان “دبلوماسية دفتر الديون”. وأوضحا أن تلك السياسة تعمل بشكل متسق وبدورة منتظمة، وأنها تأخذ ثلاثة أوجه، هي:

أولًا- الاستثمارقامت الصين بتوسيع استثماراتها في البنية التحية في إطار مبادرة “الحزام والطريق” ببنوك تابعة للحكومة الصينية، بتقديم شروط متساهلة للقروض، وفترات سماح أطول من مؤسسات اقتصادية أخرى. وتلك الشروط جذابة للبلدان الضعيفة اقتصاديًّا، والأقل قدرة على الوصول إلى التمويل الدولي، وكذلك للقادة الباحثين عن الشرعية السياسية. 

ثانيًا- البناء والتشغيل: يرى التقرير أن المشاريع غالبًا ما تتجاوز ميزانيتها، مع ضعف جودة البناء ومعايير السلامة، ولكنها تحقق العديد من العوائد الهائلة التي تعود في أغلبها للصين؛ مما يجعل عملية سداد الديون أكثر صعوبة.

ثالثًا- تحصيل الديون: عندما تثبت الدول أنها غير قادرة على سداد ديونها، يؤكد التقرير إمكانية استمرار الصين في تقديم إعفاءات من الديون في مقابل التأثير السياسي، أو الحصول على موارد وأسهم استراتيجية.

ويعتبر التقرير أن هذه السياسة تمثل استدانة جبرية للحصول على أصول استراتيجية أو نفوذ وتأثير سياسي بالدول المدينة. ويضيف أن تلك القروض المتعثرة يمكن أن تؤدي إلى تفاقم أعباء الديون في الصين على المدى القصير، والتي ارتفعت من 141٪ إلى 256٪ من ناتجها المحلي الإجمالي منذ 2008. لكنّ الكاتبين يشيران إلى أنه من المرجح أن يتم التغاضي عن تلك المخاطر على المدى الطويل بالنظر للنفوذ الكبير الذي حققته بكين من خلال سياسة الديون.

ويُشير التقرير إلى ثلاثة أهداف استراتيجية أساسية من سياسة الإقراض للدول المتعثرة. يتمثل أولها في إنشاء والسيطرة على موانئ المحيط الهندي لحل معضلة مضيق ملقا. ويتعلق ثانيها بتقويض التحالف الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة عبر المشروعات والتجارة الحيوية في جنوب آسيا. وينصرف ثالثها إلى تمكين الجيش الصيني من السيطرة على جزر المحيط الهادئ.

ثلاث فئات:

قدم التقرير بحثًا مفصلًا لست عشرة دولة مدينة للصين تستوفي معايير الأهداف المحتملة. وهذه القائمة ليست شاملة، ولكنها تمثل حالات رئيسية بثلاث مناطق استراتيجية مهمة: (جنوب شرق آسيا، والمحيط الهادئ، وإفريقيا). وتم تقسيمها إلى ثلاث مجموعات مختلفة، هي:

الفئة الأولى: تغطي دولًا تنازلت بالفعل عن ميناء أساسي أو قاعدة عسكرية للصين، وتستمر في الوقوع في مصيدة الديون الصينية وفقًا للتقرير. وفي منطقة المحيط الهندي، توفر دبلوماسية الديون للصين النفوذ الاقتصادي، من خلال زيادة الاستثمارات بالموانئ التجارية، لتتمكن من تحدي المصالح الإقليمية للولايات المتحدة، والمجالات التقليدية للتأثير الأمريكي والهندي. ويضيف الكاتبان أن ميناءَيْ “هامبانتوتا” في سريلانكا وميناء “جوادر” في باكستان يوفران مخططًا استراتيجيًّا لبكين. ويحمل هذا تحذيرات لبلدان إقليمية أخرى، مثل ماليزيا وتايلاند وميانمار، التي تتأرجح على حافة مصيدة الديون الصينية.

ويُشير التقرير إلى أن الصين تمكنت من استغلال الفراغ الناجم عن تدهور علاقات بعض الدول مع الولايات المتحدة، وتوفير بديل تمويل ملح لحل ما يُعرف بمعضلة مضيق ملقا، ومساعدة البحرية الصينية للوصول للمحيط الهندي وما وراءه من أجل تأمين طرق التجارة الآسيوية للصين، حيث إن أكثر من 80٪ من واردات النفط الصينية تمر عبر مضيق ملقا.

 ومنذ الحرب العالمية الثانية، احتكرت البحرية الأمريكية تلك المنطقة. ومن شأن وجود بحرية صينية كبيرة في المحيط الهندي أن يتحدى هذه السيطرة. والصراع الصيني-الأمريكي أو مع جارٍ محلي يؤدي لتدخل بكين في طرق الشحن يمكن أن يضر بشكل كبير بتجارة الولايات المتحدة.

وتمثل سريلانكا أوضح الأمثلة على دول تلك الفئة، حيث إنها دولة فقيرة تطمح للاستثمار، وتطوير البنية التحتية، ويتجنب المجتمع الدولي التعامل معها بسبب حربها الأهلية، وتقع في موقع استراتيجي على الطرق التجارية للمحيط الهندي التي تعتمد عليها الصين. 

وقد تضافرت الحاجة الاقتصادية والعزلة الدبلوماسية والأصول القيمة لجعل سريلانكا هدفًا رئيسيًّا لدبلوماسية الديون الصينية، حيث عرضت بكين أكثر من مليار دولار لتطوير ميناء رئيسي في “هامبانتوتا”، ومع تجاوز ديون سريلانكية للصين 8 مليارات دولار، تخلت حكومتها عن السيطرة على الميناء للصين في مبادلة للديون بأسهم الميناء. مما قد يؤدي لتواجد بحري صيني في المحيط الهندي، إما كمركز لوجستي أو كقاعدة كاملة، وهو الأمر الذي يُشكل تحديًا للنفوذ البحري الأمريكي، وللجيران الآسيويين القلقين من تمدد النفوذ الصيني الذين يعتمدون على هذه الطرق. 

ويمثل مبتغى السيطرة على ميناء جوادر هدفًا استراتيجيًّا للصين، حيث تعهدت بكين حتى الآن بتقديم ما يصل إلى 62 مليار دولار للممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني بموجب عقد تم توقيعه في أبريل 2017، بموجبه ستقوم الشركة الصينية بإدارة الميناء لمدة 40 عامًا حتى 2059، وتحصل على 91٪ من إجمالي إيرادات الميناء، و85% من المنطقة الحرة المحيطة. ولكن بحلول الوقت الذي يتم فيه إعادة الميناء إلى باكستان، من المحتمل أن تحتاج منشآته إلى صيانة كبيرة، وبالتالي قد تضطر للعودة إلى الصين لتمويل هذه الإصلاحات.

ويضيف الكاتبان أن الصين تتمكن من توسيع نفوذها بماليزيا باستثماراتها المتزايدة في الدولة ذات الموقع الاستراتيجي بين مضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي، حيث تبلغ تكلفة مشروع السكك الحديدية بين الساحل الشرقي لماليزيا ببحر الصين الجنوبي والساحل الغربي بمضيق ملقا 14 مليار دولار، والذي أطلق العام الماضي وحصلت ماليزيا على 85% من تمويله من بنك صيني. كما يقدر تمويل مشروع ميناء “ميلاكا جيتواي” والمنطقة الصناعية له بحوالي 11 مليار دولار والذي بدأ البناء فيه عام 2016، وتم إنشاؤه بواسطة شركة صينية بالشراكة مع شركة ماليزية تمتلك 51٪ من المشروع؛ إلا أن الحجم الضخم للاستثمارات الصينية يترك كوالالمبور في موقف تفاوضي ضعيف.

ويتحدث التقرير عن أن عزلة ميانمار المتزايدة من الغرب خلقت فراغًا استغلته بكين للتوسع اقتصاديًّا، حيث تمول بناء ميناء بالدولة بحوالي 10 مليارات دولار بواسطة شركة صينية تمتلك 70% من الميناء، وستقوم بإدارته لمدة 50 عامًا، مع تمديد محتمل لمدة 25 عامًا أخرى، وهو ما سيساهم في تأمين احتياجات الصين من الطاقة، والسماح لها للحد من اعتمادها على واردات الطاقة عبر مضيق ملقا.

وتستفيد الصين من التعافي الاقتصادي لتايلاند وتباطؤ تطور العلاقات مع الولايات المتحدة بزيادة استثماراتها في البنية التحتية. ويُمكِّن مشروع قناة “كرا” المقترح بكين من امتلاك نفوذ بمنظمة جنوب شرق آسيا، حيث يسمح للسفن بتجاوز سنغافورة ليهدد تفوقها بتقديم خدمات الشحن، وتقويض السيطرة العسكرية للولايات المتحدة وسنغافورة على مضيق ملقا. 

غير أنه من غير المحتمل أن تخسر واشنطن تايلاند لصالح التأثير الصيني في وقت قريب نظرًا لعمق العلاقة العسكرية بين البلدين. ومع ذلك قد تختار بكين مستقبلًا الاستفادة من حيازاتها المتزايدة من الديون، بجانب علاقاتها القوية مع النظام، لإقامة مشروع القناة، ولكن لا يزال من السابق لأوانه معرفة ذلك.

في عام 2016، أنشأت الصين صندوقًا بقيمة 60 مليار دولار لتمويل مشاريع البنية التحتية في إفريقيا بقروض ميسرة، علمًا بأن الوجود العسكري الصيني بإفريقيا يوفر لبكين القدرة على إبراز القوة بشكل كبير خارج شواطئها لتتعارض مع المصالح الأمريكية.

وتُعد دولة جيبوتي أبرز مثال لدبلوماسية الصين في إفريقيا، حيث أعلنت في عام 2016 عن بناء أول قاعدة بحرية لها في الخارج. كما استثمرت بكين 1,4 مليار دولار بما يعادل 75٪ من الناتج المحلي الإجمالي لجيبوتي في بنية تحتية تضم ثلاثة موانئ، ومطارين، وسكة حديد بين إثيوبيا وجيبوتي، وخط أنابيب لجلب المياه من إثيوبيا.

ويشير التقرير إلى أن كينيا تعتبر بوابة الشرق الأوسط وإفريقيا للصين، ونقطة وصول محتملة أخرى إلى المحيط الهندي، ولهذا قدمت بكين 6,3 مليارات دولار بين عامي 2010 و2015 كقروض لنيروبي، مما جعلها أكبر دائن، وتمثل 57٪ من إجمالي الدين الخارجي البالغ 4,51 مليارات دولار.

الفئة الثانية: وتضم دولًا لا تمثل مصدر قلق رئيسي وفوري نظرًا لعدم وجود نفوذ سياسي منفرد عليها نتيجة علاقات الولايات المتحدة الإيجابية معها، ولأن حالة الديون الصينية مستقرة نسبيًّا. ولكن التقرير يتحدث عن أن التأثيرات المجتمعة للديون الصينية لدى بعض الدول الآسيوية يمكن أن يعطي للصين حق النقض بالوكالة بمنظمة دول جنوب شرق آسيا، ويحرم الولايات المتحدة من الدعم الإقليمي لمطالب منطقة جنوب البحر الصيني، حيث تواصل بكين بناءها في أقاليم جنوب هذا البحر المتنازع عليها في تحدٍّ للأمم المتحدة، حيث تعتمد استراتيجية الصين على البناء لتغيير الحقائق على الأرض مع الاستفادة من النفوذ الاقتصادي لخنق المعارضة الإقليمية.

الفئة الثالثةوتضم دول اتفاق الرابطة الحرة Compact of Free Association (اتفاق يربط بين الولايات المتحدة وثلاث دول جزرية باسيفيكية)، حيث إن انتهاء صلاحية الاتفاق سيدفع هذه الدول لتبعية للصين، وهذا من شأنه أن يهدد الدور الاستراتيجي الذي تتمتع به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية في آسيا-الباسفيك، ويساعد البحرية الصينية على توسيع نطاقها بالمحيط الهادئ.

وبينما كانت دول اتفاق الرابطة الحرة حليفًا للولايات المتحدة لمدة 70 عامًا، فإن الصين تعزز نفوذها الاقتصادي بتلك الدول من خلال التجارة والاستثمار والمعونات والسياحة المتنامية، مع احتمال إغلاق واشنطن صندوق المساعدات الذي يدعم اقتصاداتها ويكفل الشراكة الاستراتيجية. وقد يؤدي انتهاء هذا التمويل عام 2023 إلى دفع هذه البلدان إلى ضائقة مالية، مما يوفر حافزًا لها لإعادة تقييم علاقاتها بالقوى العظمى على المدى الطويل.

ويُضيف الكاتبان أن دول جزر المحيط الهادئ قد لا تستطيع تقديم أصول استراتيجية، وسيدفعها تراكم الديون بشكل كبير لفخ الديون الصينية بما يثير مخاوف طويلة الأجل بشأن منشآت بحرية صينية محتملة في تلك الجزر، وما وراءها.

تحديات أمريكية:

تثير دبلوماسية ديون الصين هواجس الولايات المتحدة لأنها وسيلة تستخدمها بكين لتحقيق أهداف استراتيجية مضادة للمصالح الأمريكية. فمنذ الحرب العالمية الثانية، تمتعت واشنطن بهيمنة اقتصادية وعسكرية غير قابلة للتحدي في منطقة المحيط الهادئ، مدعومة بنظام تحالف قوي لا مثيل له لدعم بروز القوة الأمريكية. لكن صعود الصين قوض من القوة الاقتصادية الأمريكية بتلك المنطقة.

ويرى التقرير أن سياسة الصين للإقراض تفرض على الولايات المتحدة عدة تحديات، تتمثل في:

أولًا- الحفاظ على توازن استراتيجي في مواجهة الصين. فخلال أكثر من نصف قرن كانت المصالح الأمريكية في آسيا تدعم بسيطرة بحرية منفردة لمضيق ملقا، وبعض الطرق التجارية الرئيسية في المنطقة، وتحالف موحد لدول جنوب شرق آسيا، وتواجد في جزر المحيط الهادي من أجل اكتشاف الطاقة واحتواء البحرية الصينية.

ثانيًا- منع الصين من تقليص النفوذ الأمريكي لدى الشركاء الرئيسيين. تقوض قروض الصين قدرة الولايات المتحدة على استخدام مساعداتها الاقتصادية لتعزيز أهداف الأمن القومي الأمريكي، حيث وفرت هذه المساعدات للولايات المتحدة وسيلة قوية لتعزيز أمنها النووي ومكافحة الإرهاب في باكستان.

ثالثًا- ضمان سلامة واستمرارية الطرق التجارية وأسواق الطاقة. هناك دافع هام لاستراتيجية دبلوماسية الديون الصينية، يتمثل في حاجتها لحل “معضلة مضيق ملقا”، وإنشاء طرق بديلة لوارداتها من الطاقة وتوسيع قوتها البحرية.

رابعًا- تعزيز العلاقات الهندية-الأمريكية. يتحدث التقرير عن أنه عندما يتعلق الأمر بالصين، فإن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة والهند تتسق بشكل متزايد، حيث أدت عمليات الاستحواذ الصينية الأخيرة على الموانئ في سريلانكا وباكستان إلى إثارة مخاوف الهند من التطويق الصيني. وبعد عقود من عدم الانحياز تزداد قناعات نيوديلهي بالتحالف مع واشنطن.

خامسًا- الحد من الدور الأمريكي. عَرْضُ الصين للتمويل بدون شروط يوفر بديلًا تمويليًّا جذابًا للبلدان المعزولة دوليًّا مثل ميانمار، وتقلل هذه الممارسة من قدرة الولايات المتحدة على استخدام نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي لتعزيز حقوق الإنسان.

آفاق المستقبل:

يتحدث الكاتبان في تقريرهما عن ضرورة إدراك الولايات المتحدة أنها لم تعد لديها اليد العليا، وتفتقر لإرادة الموارد اللازمة لتحدي الاستثمار الصيني الضخم. وأن البلدان النامية اليائسة ستستمر في السعي لتمويل البنية التحتية، والحصول على قروض صينية. كما أن بكين ستواصل تراكم هذه الديون وزيادتها بشكل إجباري لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. فضلًا عن أن هناك القليل لدى واشنطن والحلفاء يمكنهم فعله للتدخل في هذا المشهد.

ويضيف التقرير أن دبلوماسية الديون في أسوأ السيناريوهات يمكنها مساعدة الصين للحصول على عدد من القواعد البحرية النشطة عبر جنوب آسيا ومضيق ملقا، والسيطرة العسكرية الضمنية أو الصريحة على حلفاء الولايات المتحدة في جزر بحر الصين الجنوبي، وتوسيع بكين نطاقها البحري في المحيط الهادي وخارجه. وسوف يقدم ذلك -بلا شك- صورة استراتيجية أكثر قتامة للمصالح الأمريكية، وهو الأمر الذي يفرض على الولايات المتحدة أن تبذل جهودًا متضافرة لمنع هذه التطورات من الحدوث.

 

بقلم/بسمة سامي رحال

تحليلات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *