loading

 

إيران التي رشحها عديد من الاقتصاديين الدوليين في سبعينات القرن الماضي للخروج من دائرة الدول النامية إلى دائرة دول العالم الثاني، باتت اليوم وبعد أربعين عاما من ثورة “الخميني” الدموية، على شفا انهيار اقتصادي واضح.

 هذا البلد الذي يمتلك من الموارد الاقتصادية الكثير ومن الطاقات البشرية،  اصبح يعاني ملايين من الإيرانيين أفرادا وأسرا من أوضاع معيشية آخذة في التدهور، في ظل صراعهم اليومي للموازنة بين دخل محدود وأسعار ترتفع بسرعة جنونية، تؤهل إيران لأن تنافس قريبا فنزويلا التي يتوقع صندوق النقد أن يبلغ التضخم فيها مليون في المائة لأول مرة في التاريخ الحديث. والمؤشر الرئيسي للأزمة الاقتصادية هو التراجع الكبير في سعر صرف العملة الوطنية الريال الذي خسر ثلثي قيمته منذ بداية العام الماضي 2018

وحاولت الحكومة الحد من انخفاضه في أبريل 2018 عبر تحديد سعر رسمي ثابت وتوقيف عدد من الصرافين في السوق السوداء، وهي إجراءات لم تؤد سوى إلى تعزيز السوق الموازية.

ــ آثار  تطبيق العقوبات الأمريكية على الريال  الايراني :

 ا ــ   الدكتور علي بهروز المحلل الاقتصادي الإيراني يقول :   أنه “مع بدء تطبيق العقوبات الأمريكية على إيران فإن العملة المحلية ستهوي إلى مستويات غير مسبوقة، وسيتراجع الريال الإيراني بشدة، ومعه بالطبع مستوى المعيشة خاصة لأصحاب الدخول الثابتة مثل الموظفين والمتقاعدين، وهذا الإقبال على شراء الذهب سيزيد الوضع تعقيدا، فشراء الذهب يعني التخلص من العملة الوطنية مقابل المعدن الأصفر، والنتيجة أنه لن يوجد طلب محلي أو خارجي على العملة الإيرانية، وستتراجع قيمتها بشدة”.

كما، “إن الإقبال الشديد على شراء الذهب في وقت الأزمة، يكشف بوضوح أن المواطن الأيراني يدرك أن العقوبات وإهدار المال العام والفساد، قد أسهم في تآكل مستقبل إيران الاقتصادي، ولذلك يريد الإيرانيون الاستثمار في أصول مضمونة، تحسبا للمستقبل.

 ب ــ  فرامرز توفيقي رئيس لجنة الرواتب في الهيئة العليا للمجالس: يقول ان الانخفاض الراهن والمقبل للعملة الإيرانية، انعكس بشكل سلبي كبير على مستوى معيشة قطاع كبير من الإيرانيين، وبان  القوة الشرائية للعمال الإيرانيين تراجعت بنسبة 72 %نتيجة الانخفاض المتلاحق للريال الإيراني، ووصوله إلى نحو 120 ألف ريال لكل دولار أمريكي مع بداية اغسطس 2018 وكانت الأرقام الرسمية قد أشارت إلى أن نسبة الانخفاض في مستوى معيشة العمال بلغت 42 %    

ج ــ  الدكتور فريهاد شيرازي المختص الاقتصادي : ويبدو أنه أكثر تشاؤما تجاه المستقبل الاقتصادي لإيران، ويفسر ذلك  بأن الحكومة الإيرانية تسعى إلى تصوير أن انعكاسات العقوبات الاقتصادية الأمريكية سينحصر في تراجع في قيمة العملة المحلية، وأنها مع مجموعة من الإجراءات المالية عبر البنك المركزي ستعمل على الحد من هذا التراجع، لكن القضية أكثر تعقيدا من ذلك، فتراجع الريال ليس أكثر من المظهر الخارجي لتداعيات العقوبات على إيران، لكن جوهر العقوبات هو عزل ايران عن النظام الاقتصادي العالمي، وهذا يعني عمليا ما هو أخطر من تراجع النمو الاقتصادي، إنه يعني أن التركيبة الاقتصادية وروافدها من نظام تعليمي وصحي ستصاب بما يشبه الشلل، وستتحول تدريجيا إلى منظومة بالية، يصبح إدماجها لاحقا في النظام الاقتصادي الدولي مجددا أمرا شديد الصعوبة والتكلفة .

ويضيف شيرازي أن “الاقتصاد الإيراني اقتصاد أحادي يعتمد على مورد أساسي وحيد يتمثل في الصادرات النفطية والغاز، والعقوبات تقطع شريان طهران الرئيسي، إذ سيكون مستحيلا عمليا على أي شركة عملاقة منتجة للطاقة المخاطرة بالقيام بأي نشاط تجاري أو استثماري مع إيران، فلا يمكن لشركة طاقة دولية العمل دون الحصول على تمويل من الولايات المتحدة أو مساهمة أمريكية، فعلى سبيل المثال تشارك الولايات المتحدة في 90 % من عمليات تمويل شركة توتال، والمستثمرون الأمريكيون يمثلون 30 % من أسهم الشركة التي استثمرت أكثر من عشرة مليارات دولار في عمليات أمريكية، بينما لم تتجاوز استثماراتها في تطوير حقل “بارس الجنوبي” 46 مليون دولار، ولذلك من المنطقي أن تنصاع للعقوبات الأمريكية” 

وسط التدهور الراهن للاقتصاد الإيراني، والتوقعات المستقبلية التي تشير إلى مزيد من التراجع، فإن كثيرا من الاقتصاديين يؤكدون أن معدلات التضخم من الممكن أن تصل إلى 50 % بنهاية 2018.

د ــ جود آرون الباحثة السياسية :  تعتبر جود  أنه بمجرد تجاوز معدل التضخم حدود 20 % سيتواكب حتما مع ظواهر اجتماعية مدمرة، وستؤدي إلى مزيد من التآكل والتشوية للبنية الاقتصادية الإيرانية وتعتقد جود أن التداخل الراهن بين عصابات المافيا والتهريب المنظمة، والحرس الثوري الإيراني ستزداد تلاحما في الفترة المقبلة 

وتضيف  أنه “مما لا شك فيه أن عمليات التهريب ستشهد انتعاشا كبيرا في إيران في الفترة المقبلة، وسيعمل قادة الحرس الثوري الإيراني عبر الشبكة التي شكلها قاسم سليماني بالتعاون مع حزب الله اللبناني، والحشد الشعبي وغيره من التنظيمات العراقية الموالية لنظام الملالي، في العمل على منع انهيار النظام اقتصاديا عبر استخدام الأراضي العراقية كجسر لمد إيران باحتياجاتها من السلع الممنوعة وفقا للعقوبات، في الوقت ذاته سيتم استخدام الأراضي العراقية كسوق لتصريف الإنتاج الرديء للصناعات الإيرانية في مسعى للحصول على العملات الأجنبية”.

ــ ارتفاع البطالة:

ومن المتوقع فقدان عشرات الآلاف من الأشخاص لوظائفهم، وستتحمل جميع القطاعات الاقتصادية التي تتعامل مع الاستثمارات الأجنبية، بما في ذلك صناعة السيارات، العبء الأكبر من العقوبات الأميركية، والتي دخلت حيز التنفيذ في أواخر العام الماضي، وذلك وفقًا لتصريحات الخبراء لصحيفة “جولف نيوز” الناطقة بالإنجليزية.

وقال سانام فاكيل كبير زملاء الأبحاث الاستشارية في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مركز “تشاتام هاوس” للأبحاث ومقره لندن: “ليس لدينا إحصائيات دقيقة بنسبة 100 %، ولكن الكثير من التقارير تشير إلى أن هناك خسائر كبيرة في الوظائف بعدد من الصناعات، لا سيما السيارات”.

وقال فاكيل في مقابلة مع الصحيفة: “خسائر الوظائف ستكون عبر عدة قطاعات، وأعتقد أن هذه المجالات تشارك بشكل كبير مع الشركات الدولية، كما أن قطاعات الخدمات سيعانون أيضًا بسبب بعض الأمور الخاصة بالاستثمارات”.

ووفقًا لمركز الإحصاء الإيراني، وهو الهيئة الرسمية المخولة بجمع البيانات وتنفيذ الاستطلاعات والتعدادات، وصل معدل البطالة إلى 12.10 % في مارس 2018 ، بعد أن كان 11.9 % في ديسمبر 2017.

ـــ إيران بلا استثمارات :

وحذر الاقتصاديون من أن معدل خلق الوظائف  أقل بكثير  من مستوى الأشخاص الذين ينضمون إلى الشريحة العمرية الجاهزة للدخول في القوى العاملة. وقال نعمولاس فيتزروي، محلل شؤون الشرق الأوسط في وحدة المعلومات الاقتصادية في مقابلة مع الصحيفة:”إن العدد المطلق للأشخاص العاطلين عن العمل ينمو كل عام، وأحد طرق التعامل مع ذلك هو جذب الاستثمارات الأجنبية على نطاق واسع لخلق فرص العمل”. وأضاف:  الآن ينخفض مستوى الاستثمار مع انسحاب الشركات الأوروبية من البلاد.. وبالطبع سترتفع البطالة بكل تأكيد .

 ــ   تباطؤ التعاون الاقتصادي مع أوروبا بعد العقوبات الأمريكية يقلق ايران:      

مع تزايد الضغوط الأمريكية على الدول والشركات الأوروبية لإحكام الحصار الاقتصادي على إيران، تباطأ الحماس الأوروبي للعمل وفق آلية مالية خاصة مع طهران لتجنب العقوبات الأمريكية.

أمام هذا العزوف الأوروبي عن التعامل التجاري مع النظام الإيراني، قال محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني “إن بلاده تعتزم مواصلة التعاون مع الاتحاد الأوروبي إلا أنها لن تنتظره حتى ينتهي من الآلية المالية الخاصة”، ملوحا بالتشاور مع شركاء بلاده التقليديين

وتسعى أوروبا إلى إقرار آلية تهدف إلى ضمان مزايا إيران الاقتصادية التي يتضمنها الاتفاق النووي الذي كان قد تم التوصل إليه عام 2015، الذي انسحب منه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في  مايو 2018. ومن شأن هذه الآلية الالتفاف على العقوبات الاقتصادية الأمريكية

ــ الآلية الخاصة بالتحويلات المالية الإيرانية :

كان من المقرر أن يقوم الاتحاد الأوروبي قبل نهاية 2018 بإطلاق الآلية الخاصة بالتحويلات المالية الإيرانية، إلا أنه يبدو أن دولا أوروبية تتخوف من أن تعرض نفسها لعقوبات من جانب الولايات المتحدة.

 ووفقا “الألمانية”، قال ظريف، في تصريح للصحافيين على هامش لقاء مع وزير النقل الهندي نيتين جادكاري في نيودلهي “الأوروبيون حاولوا، لكن لم يتمكنوا من التقدم إلى المدى الذي كنا نتوقعه منهم، سنواصل التعاون مع أوروبا بشأن الآلية، لكننا لا ننتظرهم، وسنعمل مع شركائنا التقليديين، مثل الهند والصين وروسيا”

وقال مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي، “إن بلاده ستضاعف الجهود التجارية للضغط على إيران”. وأشار بومبيو إلى أن أمريكا تتطلع إلى العمل باستمرار لمحاربة تأثير إيران في المنطقة، مؤكدا أن مواجهة إيران ستزداد فعالية في الأيام المقبلة، “لأن هذا الأمر لا يتعلق بتكتيك معين لأعضاء التحالف المناهض لإيران، إنما لفهم مشترك” 

وقال فرهاد دِج بسَند وزير الاقتصاد والشؤون المالية الإيراني  “إن حذف أربعة أصفار من العملة الوطنية محل دراسة حاليا”. وأضاف “إن الإعلان عن حذف هذه الأصفار سيتم عبر وزارته”، مشيرا إلى استلام مقترحات بهذا الشأن تقدم بها البنك المركزي

 وكان عبدالناصر همتي محافظ البنك المركزي قد صرح   بأن لائحة باقتراح حذف أربعة أصفار من العملة الوطنية تم تسليمها أخيرا إلى الحكومة من جانب البنك المركزي، متمنيا أن تنتهي الإجراءات المتعلقة بها في أسرع وقت.

وفقا لهمتي فإن عملية حذف الأصفار ستستغرق ما يقرب من عامين تجدر الإشارة إلى أن صادرات النفط الإيرانية تمثل مصدر أكثر من نصف العائدات الأجنبية

 ــــ ايران تتهرب من العقوبات النفطية :

 

 انفوجراف

 

ايران تتهرب من العقوبات النفطية

 

بقلم/ فاطيمة طيبي

تحليلات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *