loading

 

القارة الإفريقية بحاجةٍ ماسةٍ إلى بنى تحتية مطوّرة، ويدٍ عاملةٍ مؤهلة،وخبراء تقنيّين ذوي كفاءة عالية، يتمتعون بقدرةٍ تساعدهم على صياغة برامج ومشاريع فعلية، فالمحاولة موجودة ولكن التهميش والتجاهل والعجز المالي يقف عائقاً أمام ترجمة أفكار الأدمغة الإفريقية إلى نماذج عملية.

 ـ واقع التنمية الاقتصادية في إفريقيا:

  تغيب التنمية  في قارة إفريقيا  ، نظراً لهشاشة بنيتها السياسية والاقتصادية، وشيوع مظاهر الفقر والأمراض، وقبل ذلك لا بدّ من تقديم بطاقة تعريفية لثروات القارة ومواردها الطاقوية ..إفريقيا القارة   تمثّل 6% من سطح الكرة الأرضية، تغطي مساحة 304.15873 كيلومتر مربع ، وتضمّ 54 دولة، ويبلغ سكانها حوالي مليار نسمة .

تزخر إفريقيا بمعدلات ضخمة في موارد النفط والغاز والمعادن، فهي موطن 54% من احتياطي البلاتين العالمي، و 78% من الماس، و 40% من الكروم، و 28% من المنغنيز في حوالي 19 دولة، كما ان 46 دولة إفريقية لديها احتياطات من  النفط، الغاز، الفحم، ومعادن أخرى

 يتوزّع النفط بكميات مرتفعة في كلٍّ من: نيجيريا والسودان والجزائر وليبيا ومصر وأنغولا، أما احتياطيّ الغاز  بنسبٍ كبيرة في كل من الجزائر ومصر، وبنسب اقل في نيجيريا وليبيا، إضافةً إلى غنى العديد من الدول بمعدن الذهب المتوفر في كل من مالي وغانا وإريتريا وإثيوبيا ورواندا وزامبيا وناميبيا وجنوب إفريقيا، إلى جانب وجود معادن أخرى تشكّل ثروةً ومصدرا مهمّا للطاقة على غرار اليورانيوم .

ـ  اسباب  غياب التنمية في إفريقيا: 

يعود غياب التنمية ومعوقاتها في إفريقيا إلى عوامل داخلية والتي تتمثل في الخصوصية من حيث  البنية التحتية، مثل تنوّع المناخ، كثرة الموارد، التركيبة السكانية، وأخرى خارجية والتي لا يمكن حصرها في   الاستعمار التاريخي فحسب، فاليوم لم تعد إفريقيا مستعمرة أوروبية فقط، وإنما هي ايضا محلّ تنافس من قِبل أقطاب دولية أخرى، عبر الشركات متعددة الجنسيات، وضغوط المؤسّسات المالية الدولية بفعل تراكم الديون على الدول الإفريقية، وبهذا أصبحنا نتحدث عن نمط احتلالي حديث، يتم بواسطة الغزو الثقافي والاقتصادي لخدمة مصالح الدول الصناعية الكبرى.

ومن العوامل الاخرى الطبيعية ايضا حيث تُعدّ القارة الإفريقية واحدة من أكثر القارات تعرّضاً للتغيّرات والتقلبات المناخية، والذي يتسبّب في غياب القدرة على التكيّف في العديد من القطاعات الاقتصادية الرئيسة في إفريقيا، مما ساهم في تفاقم حجم الأضرار والتحديات التنموية اضف اليه  العوامل المجتمعية والتي تتمثل في غياب الدولة ومؤسّساتها الذي يعتبر العامل الأساسي الذي يؤدّي إلى غياب التنمية، والسبب راجعٌ إلى العجز عن توفير الاستقرار السياسي، نتيجة فقدان دَوْرها الأساسيّ المتمثل في تلبية مطالب المواطنين، اضف اليه العوامل السياسية التي تعتبر السبب الرئيسي  الذي أدى إلى تغييب عنصر  التنمية الاقتصادية  في القارة والذي يرجع  إلى انشغال القوى السياسية بالسلطة بدلا  من التركيز في مواضيع ومجالات التنمية الاقتصادية والتي  يمكن إرجاع سبب غيابها  في إفريقيا إلى غياب أحزاب سياسية فعلية، لأنّ الواقع يؤكد أنّ استقرار النُّظم السياسية مرتبط بقوة الأحزاب، وليس بطبيعة النظام الحزبي 

ومن أكبر معيقات  ايضا في  التنمية الاقتصادية في إفريقيا العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتي  ترتبط بعدم توفّر خريطة استثمارية متكاملة توضّح مختلف الأنشطة في مجال الاستثمار، وكذا ضعف البنية التحتية للقارة الإفريقية، وغياب المنشآت والمواصلات الحديثة، فبرغم التحسينات فلا تزال القارة بعيدة عن الوضع الأمثل  إلى جانب عدم الاهتمام الكافي بمستوى التدريب التقني والفني، وبالتالي غياب يد عاملة إفريقية مؤهّلة . 

ويعود سبب تأثّر الجانب الاقتصادي في القارة الإفريقية إلى  غياب التجهيزات الملائمة للإنتاج الزراعي، وعدم الاستفادة من فرص العولمة، وعدم اهتمام القادة السياسيّين في إفريقيا بتبنّي مشاريع التنمية الوطنية  بما في ذلك استراتيجيات الحدّ من الفقر.

 ــ  الجهود الإقليمية والدولية لتنمية إفريقيا :

تعدّ تنمية إفريقيا من الضروريات التي أكدتها معظم التجمّعات والتكتلات الإقليمية، وكذا المؤسّسات والمنظمات الدولية

أولاً: على المستوى الإقليمي :

1 ـ   منظمة الاتحاد الإفريقي:      (African Union

تؤدي دَوْر المنسق والمحفّز للدول الإفريقية  بقصد تحقيق التكامل الاقتصادي، وبالتالي محاولة الدفع نحو تحقيق التنمية الاقتصادية لدولها من خلال حثّهم على تجسيد الأهداف التنموية للألفية وهذا ما شكّل أكبر اهتماماتها في مختلف المؤتمرات والاجتماعات 

يعمل الاتحاد الإفريقي وفق خطّة استراتيجية تمتد إلى 2063م، تهدف إلى تحقيق النهضة للقارة الإفريقية ومعالجة أزماتها الداخلية، انطلاقاً من اعتماد برامج قارية تقوم على مبدأ الاعتماد على الذات، وتنمية الدول الإفريقية ومؤسّساتها، وإخضاعها للمساءلة  إضافةً إلى تعزيز دور التكتلات الاقتصادية الإقليمية  كونها اللبنة الأساسية لبناء قدرات الدول الإفريقية، وترجمتها إلى قرارات فعّالة، على المستوى الإقليمي أو الدولي  إلى جانب المساهمة في بناء السلام العالمي، وجعل القارة الإفريقية بحلول عام 2063م قارة مزدهرة .

2  – النيباد   (Nepad):

هي استراتيجيةٌ لإعادة هيكلة إفريقيا، وتخليصها من التخلّف، وتعزيز التنمية الاقتصادية، ومواجهة التحديات التي تعيقها، كالفقر والتخلّف والتهميش، تمّ تبنّي هذه الصيغة الاستراتيجية رسميا في 2001م.

ولتحقيق أهدافها  وضعت مجموعة من الإجراءات  منها: العمل على مساعدة الوكالات المتخصّصة، ووضع الأطر الخاصّة بتشجيع المنافسة، وزيادة الاستثمارات في البنى التحتية، والشروع في تنمية مؤسّسات وشبكات التدريب لتأهيل اليد العاملة، وتعزيز الشراكة بين القطاع العام  والخاص لجلب المستثمرين

3 –  تجمّع تنمية الجنوب الإفريقي     (SADC):

ارتبط تكوين هذا التكتل بفترة حكم النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وكانت محاولة منه لتحسين صورته، ضمّ في البداية:  (جنوب إفريقيا، ليسوتو، سوازيلاند، زيمبابوي وبوتسوانا)، ومن أهدافه: العمل على تعزيز القدرة التنافسية لمؤسّسات التجمع الاقتصادية، وتخفيف حدّة الفقر والجوع، ورفع مستوى المعيشة لشعوب المنطقة، وتعزيز الأمن والسّلم والاستقراروبفضل الجهود التعاونية تمكّن التجمّع من تحقيق التكامل الإقليمي بين دوله، وتحقيق طموحاتها في مجالات التنمية الاقتصادية، ولكن يبقى الخلل واضحاً جدّاً من حيث التفاوت الاقتصاديّ بين دول المنظمة 

  عمل طويل  ينتظر هذه الهيئات الإقليمية وغيرها من التكتلات الأخرى، لا بد لها من تعزيز حجم التكامل والاعتماد المتبادل بين الأعضاء، ومنه محاولة تجاوز الإطار الشكليّ للتسمية، وتجسيد الأهداف على أرض الواقع  عبر تكثيف الجهود وتشارك المصالح.

ثانيا  : على المستوى الدولي:  

1 – منظمة الأمم المتحدة    (United Nations)

بعدما كانت أولوية الأمم المتحدة تخليص إفريقيا من الاستعمار  أخذت على عاتقها كذلك إلزامية تنمية القارة الإفريقية، فبعد برنامجها الإنمائي للألفية تعمل الآن مع بلدان إفريقيا على تحقيق تنمية مستدامة مستقبلاً، بالتنسيق مع مختلف أجهزة القارة وتكتلاتها، وفي هذا الإطار كثّفت جهودها من أجل هيكلة الأمن والسّلم الإفريقيّين، وتقليص عدد النزاعات والتسوية السلمية لها، وتنفيذ الخطّة الشاملة لحقوق الإنسان في إفريقيا  ومحاولة تحسين الوضع الانتخابي وأنظمة الحكم في دول القارة.

2  – البنك الدولي  (World Bank) :

شملت مجالات تركيز البنك الدولي على رفع الإنتاجية الزراعية، ومجابهة تغيّر المناخ، وتدعيم الدول الهشّة والمتأثرة بالصراعات، وتشجيع تحسين التعليم، وفي هذا الإطار وافق البنك على تقديم 9.3 مليارات دولار لتمويل 109 من مشروعات التنمية في المنطقة الإفريقية للسنة المالية 2016م، من بينها 669 مليون دولار من قروض البنك الدوليّ للإنشاء والتعمير، و 8.7 مليارات دولار من ارتباطات المؤسّسة الدولية للتنمية 

استنتاجاً ممّا سبق؛ يتضح أنّ المبادرة لا تكفي بمفردها مع غياب التزامات قانونية تُجبر المؤسّسات الدولية والدول المانحة على تقديم المساعدات الموكلة إليها تجاه المجتمعات النامية في إفريقيا، فلو تجسّدت هذه المبادرات فعلاً على أرض الواقع  لتمكّنت إفريقيا ودولها من التخلّص من مظاهر الفقر.

ــ  نحو استراتيجيات بديلة لتفعيل التنمية الاقتصادية في إفريقيا:

 تنمية إفريقيا اقتصاديا  يتطلب تكثيف جهود دولها، وتعظيم مصالحهم وأهدافهم المشتركة، وذلك في سبيل تحسين الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ضمن الاستراتيجيات  الآتية:

 1  – تحديث البنى السياسية والاقتصادية للدولة :

إنّ الدول الإفريقية بحاجةٍ إلى بيئة سياسية واقتصادية  ملائمة، تتطلب إصلاح الأنظمة ومؤسّساتها بما يتوائم ومقتضيات حاجة المواطنين، وإتاحة الفرص لكلّ القطاعات العامة والخاص ة للاستثمار في جميع المجالات، وضرورة تأهيل العامل البشري بما يخدم التنمية الاقتصادية، والعمل على تثبيت مبادئ الشفافية والمساءلة والتوزيع العادل للدخل الوطني

 التنمية الاقتصادية  تبدأ من الداخل، من خلال استثمار الموارد والاستفادة منها، ولكن كلّ هذا يتوقف على حنكة وإرادة القادة السياسيّين ونضجهم، بغض النظر عن ديمقراطيتهم أو تسلّطهم، فاللجوء إلى المؤسّسات الدولية لن يكون الحل الأمثل لمعالجة داء التخلف وغياب التنمية  لأنّ كلّ فاعل دولي  يتحرك بناء على مصلحته وأهدافه.

2  – توسيع الإنتاج الزراعيّ في إفريقيا :

إنّ الضرورة الملح ة لتطوير إفريقيا تستلزم العثور على طريقة   لتوسيع الإنتاج الزراعي  لتحقيق الأمن الغذائي والقضاء على الفقر من جهة، وتقوية النموّ الاقتصادي من جهةٍ أخرى بزيادة الإنتاج الزراعي  خاصّةً في دول  مثل الصومال  وغيرها من مناطق القارة التي تعاني أزمة ندرة الغذاء  فوجود النفط والغاز ليس الحل الوحيد للتنمية الاقتصادية حيث لا بدّ من تنويع المنتج الداخلي، وكذا الصادرات

3  – تعزيز التنوّع الاقتصادي، وخلق فرص العمل

ويكون بواسطة الحدّ من عدم المساواة والفقر، وقلّة الفرص، ونقص الخدمات الأساسية، باتباع خطوات التحول الهيكلي، ويُقصد به التغيير في فرص العمل والإنتاج، وتنويع الاقتصاد عبر تنويع السلع المصنّعة والاعتماد على الصناعات التحويلية، وعدم ربط الاقتصاد الوطني  بالعائد  فقط، وهذا ما سيؤدي إلى توزيع  عادل إضافةً إلى ضرورة تشجيع التكامل الإقليمي والاستفادة من تجارب الدول الناجحة على غرار دولة جنوب إفريقيا، التي أصبحت من أبرز الاقتصاديات الناشئة في إفريقيا، واليوم تقود وتموّل أنجع التكتلات الاقتصادية  (الساداك)، وذلك بفضل..  تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتوفير القروض اللازمة للتنمية الصناعية، والاعتماد على التكنولوجيات المتقدّمة، والاستفادة من أيدي العمل الرخيصة، والتركيز على إنتاج المحاصيل وتربية الحيوانات، وعدم الاعتماد على المعادن فقط، والتحديث الذي جعل منها أكبر دولة صناعية في القارة، وإدخال إصلاحات في قوانين الاقتصاد  لتمكين مختلف الأعراق في الدولة من المشاركة في عملية التنمية  والاهتمام بقطاعات السياحة، وصناعة الإسمنت، والقطاع البحري، والتي أصبحت من بين القطاعات الواعدة في الدولة.

 اعداد ـ فاطيمة طيبي

 

 

 

أبحاث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *